في ظل الانهيار الاقتصادي، والفساد المستشري في إدارات الدولة والقطاع الخاص، والطائفية ونظام المحسوبيات والمحاصصة، وجائحة كورونا، تزيد الضغوطات على عمل المحقق. فقد أدت الأزمة المالية في لبنان الى انخفاض حاد في القوة الشرائية للعملة ما أثر بشكل ملحوظ على الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، خصوصاً المحققين المحظورين بموجب القانون من الحصول على «وظيفة ثانية». الفساد مشكلة كبيرة، ويشمل الرشوة والمعاملة والتحيز على أساس الروابط الدينية والطائفية والعلاقات السياسية. فقرارات المحققين المتحيزة لتلك الطائفة أو ذلك الحزب تشكل تهديداً وانتهاكاً للحق في المحاكمة العادلة. وليس من غير المألوف أن يمارس السياسيون أو المسؤولون الفاسدون الضغط على المحققين لضمان نتيجة معينة لا علاقة لها بالحقيقة العلمية، مهددين بذلك استقلال نظام العدالة. وفي ظل جائحة كورونا والانتشار الواسع والسريع للفيروس، ازداد القلق والخوف لدى المحقق بحكم ظروف العمل التي تكون في معظم الأحيان في أماكن ضيّقة، لساعات طويلة، وبالاختلاط مع عدد كبير من الأشخاص من ضحايا، ومشتبه بهم، وشهود وغيرهم. والى تلك العوامل، يكون المحققون في بعض الأحيان عرضة للانفعال العاطفي بحكم تجاربهم الحياتية ومعتقداتهم الشخصية، التي يمكن أن تتداخل مع معالجة المعلومات بطريقة موضوعية واتخاذ القرار العادل.

تلك العوامل والضغوطات، إضافة الى الخبرة المهنية والكفاءة العلمية، يمكن ان تؤثر بشكل كبير على موضوعية التحقيقات. فالانحياز في التحقيق الجنائي يمكن ان يؤدي الى اتهامات وإدانات غير مشروعة والى حرمان الأشخاص من حقوقهم. فهناك خطر عندما يطور المحققون الجنائيون افتراضات أو استنتاجات حول الأدلة، والتي ربما تشكل ادانات متسرعة للمشتبه بهم، يمكن ان تفقدهم الثقة في العدالة. علماً انه من الصعب جداً حل تلك المشاكل، الا انه من الأساسي التغلب على هذه الضغوطات التي يمكن ان تحول دون الوصول للمحاكمة العادلة، واحقاق الحق.
قد يكون الاختيار الصحيح للمحققين وتدريبهم، واتخاذ منظور واسع وعميق للقضايا بعيد عن الاعتبارات الدينية والطائفية والسياسية، ومعالجة النقص في الميزانية بشكل يتوافق مع حاجات ومتطلبات هذا القطاع، وتأمين معدات الوقاية الشخصية اللازمة لمواجهة كورونا، من الوسائل والتدابير الفعالة لمكافحة الانحياز في صنع القرار، من خلال القضاء على التكهنات والإدانات غير المشروعة، الأمر الذي يعزز الثقة في سيادة القانون ومعايير العدل والانصاف.
من الافتراضات الأساسية أن الشرطة تعمل بنزاهة وحيادية وموضوعية، ولا تتخذ القرارات إلا بعد أن تكون قد جمعت مجموعة الأدلة الكاملة. المواقف والاعتبارات الطائفية والتوقعات والتحيزات والمفاهيم المسبقة والقوالب النمطية هي من المتغيرات التي قد تؤثر على قرار التحقيق الجنائي.
وبالتالي، في بعض التحقيقات، قد يبحث المحقق، من طائفة معينة، فقط عن الأدلة التي تجرّم المدعى عليه من طائفة أخرى، وبناء فرضيته بدلاً من اتباع القرائن والحقائق. أو عندما يعمد محقق آخر إلى تصديق فرضيته بأن المشتبه بها التي ترتدي ملابس قصيرة هي مذنبة بجرم الدعارة قبل أن تتكون لديه الحقائق، أو عندما تتعاطف محققة مع مدعية صرحت انها تعرضت للتعنيف من قبل والد زوجها. كل تلك المواقف يمكن ان تقوّض عملية تقصي الحقائق، ويترتب على ذلك بناء «حالة» تتناسب وفرضية المحقق(ة).
احياناً يسترشد المحققون بنظرياتهم أو فرضياتهم الأولية في بحثهم عن الأدلة، وربما يتم تفسير الأدلة الغامضة على أنها تدعم توقعاتهم. نتيجة لذلك، يمكن أن يؤدي هذا الانحياز إلى حث المحقق على طرح الأسئلة التي من المرجح أن تؤكد فرضيته وتلتزم بتفسير سببي واحد. وبمجرد وصول المحقق إلى استنتاج أولي يتم اعتماده باعتباره واقعيًا، وبمجرد اعتماده باعتباره واقعيًا، من غير المحتمل تعديله مع نتائج التحقيقات اللاحقة. مع هذا النهج، يتحول المحقق من جمع الحقائق إلى بناء «حالة» تتناسب وطائفته أو معتقداته أو زعيمه أو عواطفه.

الانفعال العاطفي والأزمة الاقتصادية
تم تكليف المحققين «وائل» و«ماجد» التحقيق في الظروف المحيطة باعتداء جنسي على قاصر. طُلب من المحققين تقصي الحقائق وتقديم تقدير في نهاية التحقيقات لتحديد ما إذا كان المشتبه به «مذنباً» أو «غير مذنب».
التقرير الأولي – أفادت هدى البالغة من العمر 14 عامًا أن عمّها سليم اغتصبها. يعيش سليم في المنزل مع هدى ووالديها منذ 6 أشهر. صرّحت والدة هدى أن ابنتها لم يكن لديها أي نشاط جنسي مع أي شخص قبل الحادثة.
تقرير الطبيب الشرعي – بعد الكشف على هدى، لم تُلاحظ أي علامات إصابة او كدمات او جروح، ولكن ظهرت علامات تدل على نشاط جنسي حديث.
مسرح الجريمة - باستخدام مصدر ضوئي، تم تحديد «سوائل الجسم» على غطاء السرير في غرفة نوم هدى. وتشير النتائج المعملية الأولية إلى أن المادة قد تكون سائلاً منوياً. تم تقديم العينة للمعمل لتحليلها.
مقابلة الضحية - صرّحت هدى أن عمّها، سليم، كان دائماً يغازلها ويتحرش بها، وأن غرفة نومه قريبة جدًا من غرفتها لدرجة أنها لا تشعر بالارتياح لوجوده في الجوار، خاصةً لأنه مدان مسبقا بالاعتداء الجنسي على قاصر. تؤكد مراجعة للتاريخ الجنائي أن سليم مدان بارتكاب جرائم جنسية.


مقابلة المشتبه به - سليم ينفي هذا الادعاء، ويقول أن هدى تنتقم منه وتكره وجوده في المنزل بعدما امسك بها وصديقها يمارسان الجنس في المنزل في عدة مناسبات، وفي إحدى المرات عندما قبض على صديقها يتسلل إلى غرفتها، واجههما. في ذلك الوقت، هددت هدى بأنها ستخبر والديها أنه اغتصبها.
علماً ان الوسيلة الأكثر موضوعية للتحقيق هي الانتظار ومعرفة ما يظهره مجموع الأدلة، الا انه عندما توصّل المحقق «وائل» الى أن المشتبه به في قضية التحرش بهدى كان مرتكباً جنسياً، ارتفع إيمانه بذنب المشتبه به من دون أي دليل يدعم ذلك، مما دفعه للسعي لإيجاد أدلة لتأكيد فرضية الذنب، فقام بالاستحصال على وثيقة تسجيل سليم في السجل المحلي لمرتكبي الجرائم الجنسية. وبما انه يعاني من ضائقة اقتصادية خانقة ومعاشه لا يكفي احتياجات منزله الأساسية، سيما أن لديه أربعة أطفال، بدأ يفقد اندفاعه لاستكمال التحقيقات، وتوصل الى حكم مسبق بإدانة المشتبه على ضوء هذه الأدلة فقط.
أما المحقق ماجد، لديه استقرار مالي أكثر من وائل وهو يعتمد بشكل كامل على المساعدة المالية الشهرية التي يرسلها له اخوه من الاغتراب، قام بمتابعة التحقيق بهدف تقييم الأدلة جميعها في وقت واحد، من دون التوصل إلى استنتاج بعد مراجعة كل دليل، وبالتالي لم ينشأ الاعتقاد بالذنب على نفس المستوى الذي توصل له وائل. فتابع المحقق ماجد التحقيق على النحو التالي:
مقابلة مع صديق هدى - ذكر الصديق أنه وهدى يمارسان الجنس بشكل شبه يومي وأنهما مارسا الجنس في صباح يوم الحادث المبلغ عنه. وقال أيضاً إنه لم يستخدم الواقي الذكري.
مراجعة السجل الجنائي للمشتبه به - تبين ان سليم أُدين بجناية تتعلق بممارسة الجنس مع صديقته البالغة من العمر 16 عامًا عندما كان يبلغ من العمر 18 عامًا.
متابعة التحقيق - في مقابلة متابعة سليم أفاد أنه أجرى عملية قطع قناة المني منذ سنوات، فلم يعد ينتج الحيوانات المنوية في السائل المنوي، وقدمت السجلات الطبية تأكيدا على افادة المشتبه به.
مقابلة الشهود- أحد الجيران لاحظ شخصًا يدخل ويخرج من نافذة في الطابق العلوي للمنزل، ولم يكن من الممكن تحديد هوية هذا الشخص.
متابعة التحقيق - في مقابلة متابعة مع هدى، ذكرت أنها تريد فقط أن «يختفي» الأمر برمته وأنها لم تعد ترغب في متابعة التهم ضد عمها.
ليس من غير المألوف أن يمارس السياسيون أو المسؤولون الفاسدون الضغط على المحققين لضمان نتيجة معينة لا علاقة لها بالحقيقة العلمية


تقرير المختبر - تمت مطابقة الحمض النووي المرفوع من مسرح الجريمة مع البصمة الوراثية لهدى وتضمنت أيضا بصمة وراثية من حيوانات منوية من ذكر مجهول الهوية.
ما حدث في الحالة الأولى يسمى «الانحياز التأكيدي»، أي عندما يؤمن المحقق أو يبحث عن دليل يدعم نظريته «المفضلّة» بينما يتجاهل الأدلة غير المؤكدة ويكون غير راغب في تغيير معتقده بمجرد وصوله إلى نتيجة. فالمواقف والعواطف والمعتقدات السابقة هي عوامل قوية في الانحياز التأكيدي لأنها تتضمن عمومًا معتقدات عميقة الجذور. على سبيل المثال، قد يكون الاعتقاد بشأن ذنب المشتبه به نتيجة لرغبة مفرطة في حماية الأطفال أو شكوك حول طبيعة عودة مرتكبي الجرائم الجنسية المسجلين إلى الإجرام.

قد يبحث المحقق، من طائفة معينة، فقط عن الأدلة التي تجرّم المدعى عليه من طائفة أخرى، وبناء فرضيته بدلاً من اتباع القرائن والحقائق


علماَ انه على العكس من ذلك، تتطلب الطبيعة الديناميكية للأدلة أن يُفهم السياق بشكل صحيح. بينما في ظاهره، قد يبدو أن الدليل يميل بطريقة أو بأخرى الى استنتاج معين، لكن السياق مطلوب لفهم مجمل الظروف بالكامل، وتجنب اتخاذ القرار الخاطئ.
يُفترض بالمحقق الجنائي ان يعلّق الشك ويصل إلى الاعتقاد بالذنب او بالبراءة من خلال التحقيق الشامل في جميع الأدلة والمعلومات الأخرى غير المؤكدة، لإدراك الأنماط المعقدة والبحث عن الأدلة الإضافية واستنباط الاستدلالات العلمية التي قد تؤدي إلى أدلة قيمة. فإن التحقيق الجنائي عمل شاق، وطويل، ومعقّد والمحقق الناجح قادر على الحفاظ على الدافع والمثابرة لرؤية وحل القضية - مهما كانت النتيجة.



الضغوط النفسية للمحققين الجنائيين
قد يتعرض محققو جرائم القتل أو الجرائم الجنسية لضغوط خاصة. التأثير الهائل والصدمة للعديد من مشاهد القتل والعنف والتشويه والوحشية السادية المرتبطة بالعديد من عمليات القتل - خاصة تلك التي تشمل الأطفال - غالبًا ما تتجاوز آليات الدفاع وقدرات التأقلم حتى لدى أكثر المحققين خبرة.
الى ذلك، ومع استمرار التحقيق، فإن عدم القدرة على حل الجريمة وإغلاق القضية يزيد من إحباط الضباط المعنيين. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو الحالات التي يكون فيها القاتل معروفًا ولكن الأدلة الموجودة غير كافية لدعم اعتقاله أو إدانته، خاصة عندما يكون الفشل في القبض على الجاني ناتجًا عن خطأ بشري، كما هي الحال عندما يؤدي خرق البروتوكول إلى فقدان الأدلة أو إتلافها، مما يسمح للجاني بالإفلات من العقاب.


التورط العاطفي
قد يتورط بعض المحققين عاطفياً مع عائلات الضحايا، خاصة في حالات عدم إلقاء القبض على الجاني، ولا سيما تلك المتعلقة بالأطفال، ويظلون على اتصال بهم لسنوات عديدة. يصبح بعض المحققين مهووسين بقضية معينة ويستمرون في العمل عليها في كل لحظة متاحة، وأحيانًا إلى درجة المساومة بعملهم في قضايا أخرى والذي يؤثر ايضاً على حياتهم الأسرية.