يستبدل حضوره بحضور آخر. هذه حال معظم القاعدين وراء شاشاتهم، لذا ليس هناك ما يميّزه عن بقيّة المستخدمين. تؤدّي الشاشة، بالنسبة إليه معبراً إلى فيسبوك وتويتر اللذين يؤديان بدورهما إلى سيل من القضايا الراهنة، والاستطرادات الشعريّة والأدبيّة، ما يجعلهما مسرحاً لغوياً يبرع فيه بالتواصل المباشر مع ضحاياه. فلنتّفق منذ البداية على تأجيل استخدام مصطلح الناجيات، لأن النجاة تتطلّب وقتاً طويلاً لكي تكتمل، إن كان يمكن اعتبارها كذلك بعد سنوات طويلة من اللوم الذاتي. بعض الضحايا بقين ضحايا، من دون أن ينطُقن بحرف واحد بعدها، وربّما اضطررن إلى إخفاء ما اعتبرنه "خطيئتهن" الأولى بانسداد وتيبّس العلاقة مع أجسادهن لوقت مديد.

فلنتخيّل الأمر على الشكل التالي، وهو هكذا في الواقع: رجل يجلس وراء مكتبه في إحدى الجرائد، وثلاث صديقات في سنتهن الجامعيّة الأولى. يضغط على كبسة الإضافة، يمرّرها إلى الأولى تمريراً، مختبئاً وراء اسمه المعروف في الجريدة كناقد أدبي، يهتمّ سرّاً بالعلاقة مع القاصرات ويفضّلهن كذلك في آخر الـ17 من عمرهن.
في العلن، يمكنه أن يجد مدخلاً مع القارئات المتحمّسات من خلال روايات عدّة ينصح بها على الدوام (لم تفلح سنوات القراءة الطويلة بجعله ينصح بغيرها) مثل "لوليتا" لنابوكوف، و"امتداح الخالة" ليوسا. يجيد الإشارة إلى قيمتهما الأدبية، إن أراد ذلك، إلا أنه رجل علاقات قاصرة فحسب. كائن نهاري وليلي، يجد في هذه الروايات ما يلبّي حججه في النقاشات المُعادة، وإن أصابه الملل، وأصاب غيره بالملل، بإمكانه، بكبسة زرّ، أن يوغل في مواقع البورنو ليعثر على ما يسدّ به يأسه، على شاشة مكتبه في آخر الليل.
المقرّبون من زملاء ورفاق يعرفون ذلك أو يشكّون فيه، ويتردّدون لسبب ما في فضحه. وهو يصرّ بدوره، وبنظّارتيه، على تأدية دور الناقد، حتى في علاقته مع القارئات الثلاث. يتنقّل بينهن في الوقت نفسه، وفي الساعة نفسها ربّما، هن اللواتي يحتجن تأكيداً على كلّ ما يقمن به. يصير رأيه بكتاباتهن المنشورة على فيسبوك، محكوماً بتقدّم العلاقة معهن. يسدي إليهن نصيحة أو مجاملة وفق استجابتهن له، والمجاملة الأكثر قيمة تأتي لدى الاستسلام له تماماً. سبيل يبنيها تدريجاً من خلال كبسات الإعجاب ولو أنه يؤكّد، من خلال منشوراته على فيسبوك، بأنه شديد الحرص على منح الإعجاب لمن يستحقّ فحسب، كاستكمال دؤوب لدوره النقدي، الذي ينتهي غالباً في إحدى الغُرف المستأجرة نهاية شارع الحمرا على مقربة من الكورنيش.
انطلاقاً من إحدى صورها على فيسبوك، يفترض الرجل (المتحرّش المتواري) أن الفتاة تدرس المسرح. يتّخذه باباً للدخول معها في حديث ينتهي بجسدها. أما على صورة أخرى، لصديقتها، فيكون أكثر انطلاقاً في التعبير "الشعري" عن الشامة الملاصقة لشفتها العليا أو رقبتها. كان في السابق قد كتب بضعة جمل شعريّة لا سواها، ونشرها في مجموعة لم "تأخذ حقّها"، ففشّ فشله بالتنويع عليها في أحاديثه مع الفتيات. لا يعرف إلا أن يقيّد الجسم بمصطلحات مُستهلكة في الشعر والمسرح والأدب. لو كانت هذه مساحة مناسبة للنقد لا للتوصيف، لكان من المتعذّر اعتبار ما يتفوّه به بذرة خيال حتى، لا تتعدّى كونها مجرّد مصطلحات تهبط على أجساد الأخريات القاصرات، لتقيّدها كتمهيد لتحرّشه العاجز. تأخّرنا في الحكي عن الفتاة الثالثة، التي معها سيرسم، رغم يأسه المُغري، سيناريو ينام فيه معها ومع صديقتيها في الوقت نفسه، رغم اليأس ورغم الفترة اليائسة على كلّ الصعد.
هذا بورتريه لناقد أدبي يائس، يقدّم نفسه على أنه يائس دائماً من الناس ومن الجموع. كان يمكن لهذه الكلمات أن تكون أيضاً سيرة مختصرة ومبتذلة لمناضلين ومنظّرين، وثوريين، لكنهم حكواتيون في النهاية، هواة لغوٍ. تجمع بينهم الكلمة "الصائبة"، والأفكار التي يسعون إلى جعلها متّقدة (لكن المكرورة)، ويجمع بينهم قبل كلّ شيء المكتب. هذا المكتب الذي يزيده حضورهم خلفه سلطة منفّرة وحادّة، حين تُغلق أبوابه، وحين تكون مفتوحة، وحين منه يطل بذرة المفكّر عن شاشته. ودائماً حين يدعو الكاتب نفسه الفتيات إلى مكتبه من أجل نقاشات تشكّك بحريّتهن وبقدرتهن على التحرّر من إرث ريفي خصوصاً، وتقدّم نفسها على أنها الطريق الوحيد إلى هذا التحرّر، رغم أن زوجته مستثناة من كلّ ذلك. أتخيّلها تراقب ذلك مدهوشة وقد مسّها يأسه إيّاه، فالحديث الذي يخترعه مع سواها من القاصرات، يغلقه بوجهها دائماً ما إن يتعدّى مسؤوليات الأولاد.
إن كان يعلم ذلك أو لا، تؤدّي الكلمات إلى تقبلّ التحرّش الجسدي، وإلى سدّ نوافذ الجسم والكتابة على السواء. لو كان يعلم أنه يقف بنظّاراته وبكلماته، حارساً لوسط ثقافي، يستثني الفتيات من الكتابة، إلا إذا مرّت الكلمات على أجسادهن، رغم أنهم، هؤلاء النقاد والثوريون الأكثر مللاً وبلادة في التعامل مع الجسد. لو كان يعلم ذلك لكان اختنق بيأسه.