يشكو أصحاب محال السوبرماركت من عدم قدرتهم على استعمال كامل حساباتهم المصرفية التي تتجمّع فيها مبالغ ناتجة من مشتريات الأسر لديهم سُدّدت بواسطة البطاقات المصرفية.

فهم مطالبون أيضاً بتسديد ثمن فواتير المورّدين نقداً، بينما سعر المبالغ النقدية، سواء بالليرة أو بالدولار، أصبح يختلف عن سعر المبالغ غير النقدية بالليرة أو بالدولار. الفرق بين الدولار النقدي والدولار المحوّل بواسطة الشيك أو التحويل المصرفي الداخلي، كبير جداً، إذ إن كل دولار نقدي يساوي 6.5 مرات الدولار «الآخر». بالنسبة إلى الليرة اللبنانية، الفرق ليس بهذا الاتساع، إذ إن كل ليرة نقدية تساوي 1.5 ليرة «أخرى». لذلك، فإن كل مبلغ يعلق داخل المصرف، تتدنّى قيمته فوراً بحسب سعر السوق. وهذه المعادلة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل خلق لها مصرف لبنان بالتعاون والتواطؤ الضمني بيئة مؤاتية ومباشرة للعمل فيها. هكذا أصبح كل اللاعبين في الاقتصاد، مهما اختلف شكلهم (مؤسسة، فرد)، أو طبيعة عملهم (تاجر، مصرف، عامل...) ومستواهم (صغير، كبير)، يطالبون بتسديد ثمن السلع والخدمات نقداً أو على الأقل تسعيرها بناءً على هذا الأساس، ثم يتفق لاحقاً على آلية الدفع والسعر السوقي لآلية الدفع المتفق عليها.
كانت هذه المشكلة «مغمورة»، إذ كانت المصارف تمارسها مع زبائنها وتفرض عليهم سحب مبالغ محدودة من رواتبهم الشهرية. كانوا يعترضون بلا جدوى، ولم يكن لصوتهم صدى يتردّد بين جدران قصور الزعماء. يظهر الأمر بوضوح في بعض رواتب الأساتذة الجامعيين وحتى الثانويين، أو حتى في رواتب موظفي شركتَي الهاتف الخلوي وأوجيرو... لكن المشكلة لم تصبح «كبيرة»، إلا عندما قرّر «وحش» آخر اعتبارها مشكلة. فمع إعلان جمعية أصحاب السوبرماركات خفض نسبة قبول تسديد فواتير الزبائن بواسطة البطاقة المصرفية إلى النصف، واشتراط تسديد النصف الآخر نقداً، أثار الأمر بلبلة انتهت بتحميل رواتب الزبائن كلفة الحصول على النقد. وهذا الأمر لم يكن أمراً جديداً، فمنذ أكثر من سنتين، تُفرض على المستهلكين أكلاف أكبر من الأثمان الفعلية للسلع والخدمات، من أجل تمويل كلفة النقد. ومع تقدّم الأزمة، بدأت كلفة النقد ترتفع، إلى أن بلغت مستويات غير مسبوقة على النقد بالدولار، لكن لم تكد تمرّ سنة حتى ظهرت كلفة النقد بالليرة أيضاً. ملامح هذه المرحلة اتضحت مع صدور التعميم 158 الذي منح الزبائن حقّ سحب 800 دولار شهرياً، نصفها نقداً بالدولار، ونصفها الثاني بالليرة. النصف الثاني يقسم إلى نصفين أيضاً؛ الأول نقداً، والثاني، أو ما يساوي 2.4 مليون ليرة (200 دولار وفق سعر صرف 12 ألف ليرة) يوضع في البطاقة المصرفية حصراً. عندها ظنّ كثيرون أن قسماً من ودائعهم تحرّر، وبدأوا ينفقون هذه الليرات المحرّرة بواسطة البطاقات، ما خلق طلباً كبيراً على على التسديد بواسطتها إلى أن باتت نسب استعمالها كوسيلة للدفع في السوبرماركت أكبر من نسبة التسديد النقدي، وبما أن السوبرماركت لديها ضغوط، بعضها مبرّر وبعضها نابع من عقلية الربح الاحتكاري، أوقفت التسديد بواسطة البطاقة وحدّدته بنصف المشتريات فقط.
يشير رئيس نقابة أصحاب السوبرماركات نبيل فهد، إلى أن «المبيعات من خلال البطاقات المصرفيّة قفزت من نحو 100 مليار ليرة شهرياً في الصيف الماضي إلى 500 مليار ليرة شهرياً خلال أشهر كانون الأول وكانون الثاني وشباط ليصبح المعدل الوسطي للدفع بواسطة البطاقات المصرفيّة 65%. في المقابل، 90% من مصاريفنا تُدفع نقداً. عدد قليل من المورّدين يقبلون بالدفع عبر الشيكات وبنسب قليلة تتراوح بين 10% إلى 20%، فيما هناك موردون يقبضون دولاراً نقدياً مثل مورّدي المازوت واللحوم والحبوب».

تخضع الرواتب والأجور والودائع لهيركات إضافي اسمه «الأموال العالقة في البطاقات المصرفية»


يرى كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل أن «السوبرماركات ليست مقطوعة من النقد بالحجم الذي تصوّره، ولا يوجد أي مبرّر لوقف الدفع عبر البطاقات المصرفيّة. فالكثير من القطاعات التي رفضت استخدام البطاقات المصرفيّة أو فرضت قيوداً على الدفع، لديها إيرادات نقدية كبيرة بالليرة تخزّنها لشراء الدولارات على سعر منصة صيرفة بالاستناد إلى التعميم 161». ويسأل غبريل عن الأرباح التي جُنيت عند رفع الأسعار والتي «لم تنخفض بشكل يتناسب وانخفاض سعر صرف الدولار». ويقارن الوضع مع خيارات لجأ إليها بعض المطاعم على سبيل المثال التي «قدّمت حسومات بنسب معيّنة إلى روادها الذين يدفعون الفاتورة نقداً لتشجيع الدفع النقدي، لكنها أبقت خيار الدفع عبر البطاقات المصرفيّة كاملاً. فلماذا لا تعتمد السوبرماركات مثل خيار كهذا؟».
يرى رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي، أن «مكمن المشكلة هو مصرف لبنان الذي يحاول تجفيف السيولة في السوق. المبالغ التي تقبضها السوبرماركات من المستهلكين عبر البطاقات المصرفيّة تخضع لحسم عند محاولتها سحبها نقداً من المصارف بنسب تتراوح بين 20% إلى 30%. من يغطي الفرق؟ فإما أن ترفع السوبرماركات الأسعار بنسبة 20% ويقع المستهلك ضحية، وإما أن تحافظ السوبرماركات على الأسعار وتشترط الدفع بالنقد، والضحية أيضاً سيكون المستهلك».
يشدّد بحصلي على أن «التصّور الأنسب يكمن في إيجاد آلية واضحة وعمليّة وشفافة تسمح بتسييل الأموال المتأتية عبر البطاقات المصرفيّة نقداً وبالسرعة المطلوبة». ويلفت في هذا الإطار إلى «أهمية عامل الوقت، الذي لا يسمح بأي إجراءات بيروقراطية تطيل عمليات الاستيراد. فالبواخر تباع في البحر. من لا يملك السيولة لا يمكنه شراء بضاعة. وفي حال التأخر في الدفع، بإمكان مورد آخر من دولة أخرى دفع مبلغ أكبر وشراء البضاعة». ويؤكد «أننا منفتحون على نقاش أي آلية لا تؤدّي إلى سداد فواتيرنا بعد أشهر. المستوردون لم يقبضوا حتى اليوم أموال الدعم المستحقة منذ سنة. فهل يعقل أن يدخلوا في آلية جديدة فيما لم يقبضوا مستحقاتهم وفق الآلية السابقة؟».
باختصار، تخضع الرواتب والأجور والودائع لهيركات إضافي اسمه «الأموال العالقة في البطاقات المصرفية». تبدو هذه الأموال كأنها رخيصة أو محصّلة بـ«الحرام»، أو على الأقل يجري التعامل معها كأنها غير شرعية، بينما هي في الواقع تعكس قيمة العمل الذي أصبح تقديره رخيصاً! هذا الأمر لم تعالجه أي خطّة بعد، ففيما كنّا نحتاج إلى توحيد أسعار صرف الدولار مقابل الليرة، صرنا بحاجة إلى توحيد أسعار الليرة. بحسب الخبير في استراتيجيات الأسواق المالية جهاد الحكيّم، فإن «الناس كانت تشتري سلعاً بالأموال المخصّصة للدفع عبر البطاقات لتحمي نفسها من التضخّم. إن عدم إمكانية استخدام البطاقات يعني أن قيمة الأموال العالقة ستتقلّص يوماً بعد يوم بسبب التضخّم». اللافت أن إجراءات كهذه «لن تلجم تدهور الليرة». في الخلاصة، «سيتقلّص حجم اقتصاد لبنان لأن القدرة الشرائية للمواطنين ستتراجع أكثر. معدّلات الفقر ستزداد وستفقد المؤسسات شريحة كبيرة من الزبائن كانت تنشّط أعمالها».