إذا كان للتعليم الرسمي من صوت ولو كان خافتاً خلال الفترة الأخيرة، فأساتذة التعليم الخاص يعانون الأمرّين ولا سيّما خلال الأزمة المستمرة منذ عام 2019 حتى اليوم، إذ لا صوت مسموع ولا إضراب مسموح، "ومن لم تعجبه التقديمات فليبلّغنا بذلك قبل شهر تموز"، كما قال أحد مدراء هذه المدارس لأساتذته، إذ يجري خلال تموز تجديد العقود أو ما يُعرف باستمرارية العمل. فحتى التصريح بالألم ممنوع والخوف من تسلط الإدارات وصل إلى حد إبقاء اسمَي الأستاذ والمدرسة طيّ الكتمان شرطاً للكلام، وهنا قالت أستاذة: "قلبي محبّل بدي احكي بس ما تكتب اسمي".

يحسد أحد الأساتذة زملاءه في التعليم الرسمي قائلاً: "أقلّه يمكنهم رفع صوتهم في قول لا ولو لم يحصلوا على أي مكتسبات، بينما نحن علينا العمل والعمل من دون صوت أو نفس لأنّنا نعمل لمزاج أشخاص ولا عقود حقيقية أو جهات رقابية فاعلة تحمينا"، ويضيف أنّ "أيّ شكوى طرد تعسفي أمام الدوائر المعنيّة في وزارة التربية قد تمتدّ لشهور إن لم يكن سنوات ويكون الأستاذ المشتكي عندها قد ذاق الويلات عاطلاً من العمل".
اليوم تقوم غالبية المدارس الخاصة بإبلاغ أهالي التلامذة أنّها بصدد مراجعة عامة للأقساط وفرض زيادة حتمية، منها من حدّدت نسبتها ومنها من تركت الأمور على ضبابيتها مع وضع مبلغ إضافي بالعملة الأجنبية الطازجة (الفريش) تحت حجة النفقات التشغيلية. بعض هذه المدارس لم تنتظر العام الدراسي القادم لتحصيل هذه الزيادات بل قامت بفرضها هذا العام تحت طائلة تقصير العام الدراسي تارةً، أو تقصير الدوامات تارةً أخرى، ومنها من وصلت بها الأمور إلى التهديد بإنهاء التعليم الحضوري والعودة للتعليم عن بعد لتوفير نفقات تشغيلية وبدلات تنقل للأساتذة. طبعاً كلّ ما سبق يجري تحت أعين وزارة التربية التي وللمفارقة، يتبادل بعض موظفيها الأحاديث حول الزيادات في مدارس أولادهم دون تحريك ساكن منهم.
في المقابل، انقسم أساتذة التعليم الخاص بين حاصلٍ على زودات هزيلة لم تتخطّ الـ25%من قيمة الراتب بالليرة اللبنانية على ما أفاد أستاذ يعمل في إحدى المدارس الخاصة الكبيرة على تخوم الضاحية الجنوبية، على الرغم من أنّ هذه المدرسة تتقاضى مبالغ بالعملة الأجنبية من الأهل كنفقات تشغيلية، وتضاعف قسطها مرتين عن العام الماضي وسيتضاعف مرتين العام القادم أي بزيادة تُقدر بـ 400% عن عام 2019. أستاذة ثانية أفادت بأنّها علّمت هذا العام كي لا تصبح عاطلة من العمل وليس لأن لديها أي دافعية للعمل كون مدرستها، ذات السمعة التعليمية الكبيرة لا تدفع أكثر من مليوني ليرة لبنانية كراتب من دون أي بدلات تنقل مع دوام كامل يناهز الساعات السبع يومياً. ويقول أحد الأساتذة العاملين في إحدى المدارس الكبيرة إنّه يحصل على مئة وخمسين ألف ليرة بدل تنقل عن كامل الشهر! خلال فترة التعلّم عن بعد اتفق الأساتذة على أنّ التعليم كان على حسابهم بشكل تام لناحية تكاليف الإنترنت واستهلاك الأجهزة دون أي تعويض في حال وقوع أعطال.
وفي صور، تلفت إحدى المعلمات إلى أنّ الزيادة على الأقساط في المدرسة الكبيرة التي تعلّم فيها تناسبت مع زيادة على رواتب الأساتذة ولكن دائماً بالليرة اللبنانية، مشيرةً إلى أنّ المدارس القادرة على الدفع بالعملات الأجنبية هي تلك التي تقف خلفها جمعيات أجنبية عابرة للحدود حيث ترسل الدعم مباشرةً إلى الإدارات.

موظفو الوزارة يتبادلون الأحاديث حول الزيادات في مدارس أولادهم من دون تحريك ساكن


هذه المدارس الخاصة الكبيرة صاحبة الأقساط المنتفخة وغير المنطقية لجلّ اللبنانيين اليوم، والمرتبطة بمجتمعات خارجية بشكل تام، حوّلت جزءاً من رواتب أساتذتها إلى العملة الأجنبية بنسبة تُراوح بين 20% و30% مع تعديل النسبة المتبقية بالليرة اللبنانية وتقديمات لا تقلّ عن 300 دولار سنوياً للأستاذ المتعاقد وصولاً إلى 600 دولار للمتفرّغ وخلال فترة التعلّم بعدما جهّزت الأساتذة بما يلزم من باقات إنترنت وأجهزة مناسبة للقيام بالواجب، لكن في المقابل، حصلت المدرسة على مبلغ 1500 دولار هذا العام من الأهالي بدل نفقات تشغيلية عدا الأقساط التي تضاعفت خلال السنوات الماضية وهي مرشّحة للزيادة في العام القادم مع مضاعفة الرقم المدفوع بالعملة الأجنبية.
بشكل عام، حال الأستاذ في المدارس الخاصة أسوأ من وضع زميله في التعليم الرسمي. أقلّه لا يمكن لأحد تهديد الأخير بلقمة عيشه كل آخر عام دراسي وجعله يعيش كوابيس ترك العمل من دون تعويض، وما تقوم به أكثرية المدارس الخاصة اليوم في لبنان لناحية الزيادات المهولة على الأقساط من دون تعديل أجور الأساتذة يشبه إلى حدّ كبير وضع تجار الأزمات في لبنان الذين يحققون الأرباح المهولة بشكل شخصي على حساب المواطنين والعمال لديهم.