من منزلٍ فاخر في مدينة كان الفرنسية إلى زنزانةٍ صغيرة في نظارة قصر العدل في بعبدا، انتقل رجا سلامة، شقيق حاكم المصرف المركزي المدّعى عليه بجرم تبييض الأموال، حيث سيمكث لأربعة أيام على الأقل، قبل أن يحال إلى قاضي التحقيق الأول نقولا منصور. لم يكن متوقّعاً حضور سلامة الذي استُدعي مع ماريان الحويّك والمواطنة الأوكرانية آنا كوزاكوفا إلى جلسة استماع أمس، كمستمع إليهم في الإخبار المقدم ضدهم من الدائرة القانونية لـ«رواد العدالة»، بجرائم تبييض الأموال والتدخّل في الإثراء غير المشروع وتبديد المال العام.

بتمام الساعة الواحدة ظهراً، حضر سلامة مع وكيله القانوني مروان عيسى الخوري، ودخل مرتاحاً إلى مكتب القاضية عون التي لم تكن تتوقّع حضوره، أسوة بشقيقه. وبدأت عون الاستجواب لتُفاجئه بسيل من الأسئلة عن شقق يمتلكها في فرنسا وتحويلات مالية أجراها وعقود اشترى بموجبها أربع شقق لم يكن هناك مفرّ من الإقرار بها كون القاضية تملك نسخاً عن عقود شرائها. وسألت عون سلامة عن شقة مستأجرة في باريس على نفقة المصرف المركزي، وعن تحويلات لمصلحة صديقة شقيقه الأوكرانية آنا كوزاكوفا، وابنة شقيقه إليزابيت التي تحمل الجنسية الفرنسية. وتبين أن لدى القاضية عون معلومات عن تورطه في تبييض أكثر من ١٢ مليون دولار لم يُقدّم تفسيرات بشأنها، في ظلّ وجود معطيات بأنّ ما يُساءل بشأنه ليس سوى جزء بسيط، فيما القسم الأكبر من الثروة موجود في إنكلترا وألمانيا.
أقرّ رجا سلامة بأنّ الاستثمار المالي مصدره شقيقه رياض سلامة، وأكّد أنّ شركة «بتّا» المسجلة باسم إليزابيت تعود لشقيقه أيضاً، لكنه رفض الإجابة عن أسئلة القاضية بشأنّ شركة «فوري» والمبلغ الكبير الذي حوّله إلى حسابات عديدة ويتجاوز ٣٠٠ مليون دولار. وتسلّح بذريعة أنّه سبق أن أدلى بإفادته بشأنها لدى المحامي العام التمييزي بالتكليف القاضي جان طنّوس. بعدها، استدعت القاضية عون المدّعين الذين طرحوا أسئلة على سلامة، لم يُجِب عن معظمها، فأصدرت مذكرة توقيف وجاهية بحقه. وعلّقت القاضية عون في اتّصال معها بأن «رجا سلامة أوقف بتهمة الإثراء غير المشروع»، معتبرة أن «الحاكم استخدم اسم شقيقه وشركات وهمية كان قد أنشأها رجا سلامة باسمه لتسجيل عقارات في فرنسا تتجاوز قيمتها 12 مليون دولار». وأكّدت أنّها ستُعاود استدعاء رياض سلامة لمواجهته مع شقيقه. وعلمت «الأخبار» أنّ القاضية ستطلب مجدداً الأسبوع المقبل من جهاز أمن الدولة إحضار سلامة لجلسة الاستماع.
أما بشأن المسار القانوني المرتقب، فإنّ توقيف رجا سلامة يُعطي القاضية عون أربعة أيام فقط، على أن تحيله بعدها إلى قاضي التحقيق. وفي حال عدم حضور الحاكم المركزي نهار الاثنين، فإنّ ذلك سيحشر القاضية عون بأربعة أيام ليُطلَق سراحه بعدها، ولا سيما أنّ القاضية عون ادّعت عليه بجرم الإثراء غير المشروع الذي لا يُطبّق إلّا على الموظف العام. وفي حال غياب الموظف العام، فإنّ الادعاء يسقط. وبالتالي، يبقى أمام عون حل وحيد إذا أرادت الاستمرار بتوقيف سلامة، وهو أن تُغلق الملف المدعى عليه فيه لتفتح ملفات إلحاقية بجرائم أخرى مرتبطة به.
ما حصل لم يكن متوقعاً، إذ إنّ المعلومات المسرّبة عن أصحاب المصارف كان تشي بأنّ تسوية جرى عقدها. وكانت جمعية المصارف قد أرسلت رسالة إلى رؤساء مجالس إدارة المصارف بشأن إرجاء جلستها الاستثنائية التي كانت تنوي عقدها الثلاثاء الماضي، متحدثة عن أخبار إيجابية منتظرة نهار الخميس. ترافقت هذه الرسالة مع معلومات تتحدث عن لقاء عقده المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات مع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي بشأن ملف المصارف. وذكرت المعلومات أنّ الغاية كانت الطلب من القاضي عويدات سحب ملف المصارف من القاضية عون حفاظاً على القطاع المصرفي، على أن يُترك معها ملف رياض سلامة من باب الترضية. هذه المعلومات نفتها مصادر مقرّبة من القاضي عويدات الذي نفى لقاءه ميقاتي أو عون، مؤكدة أنّ الأخير لن يتدخّل مع القاضية في الملف الذي تُحقق فيه.
بالتزامن مع التحقيق مع رجا سلامة، تابعت عون تحقيقاتها في الشكوى المقدمة من مجموعة «الشعب يريد إصلاح النظام» لتصدر قراراً جديداً قضى بمنع سفر رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد المصرفي طارق خليفة ووضع إشارة منع تصرُّف على عقاراته وسياراته وأسهمه وحصصه في الشركات التجارية، ووضع إشارة منع تصرف على عقارات وسيارات وأسهم وحصص المصرف في جميع الشركات التجارية ليصبح سادس مصرف لبناني تتخذ عون إجراءات قضائية بحقه، بعدما منعت سفر رؤساء مجالس إدارة بنك عوده وبلوم وسوسيتيه جنرال وبنك بيروت وبنك ميد. وأصدرت قرارات منع تصرف بأصول وممتلكات أعضاء مجالس الإدارة والمصارف الخمسة المذكورة.