يذكّر الأوكرانيون، في استعادة ماضيهم، كيف حوّلوا بلدهم إلى واحد من أكبر مصدري القمح، وهم الذين تعرضوا للمجاعة مرّتين، في 1921 و1933، على يد الثورة البولشيفية. وإذا كانت الشعوب والحكومات تتعلم من تجارب الماضي ومآسيها، فإن ما يجري في لبنان يظهر أن لا السلطة وأحزابها تعلمت مما حصل في 17 تشرين رغم كل الأخطاء التي شابت لاحقاً هذا التحرك، ولا الشعب - الناخب استفاد من تجارب لم يمض عليها الزمن. ففيما الجميع منشغل بالتحضير للانتخابات وعدّ أسماء المرشحين وتركيب اللوائح، جاء الإعلان عن احتمال هدم الإهراءات من خارج المتوقع، وبما يلائم تماماً المسار الذي تتعامل وفقه الطبقة السياسية مع انفجار الرابع من آب. ما يحصل في التعامل اللاإنساني في قضية الإهراءات ومع أهالي شهداء المرفأ، يعكس تخلي كل المسؤولين على اختلاف تراتبيتهم، عن التعامل مع الانفجار على أنه جريمة كبرى، وهو بعيد كل البعد عن التذرع بالمعايير العملية والتقارير الفنية التي تتحدث عن سوء وضع الإهراءات. علماً أن التلويح بالهدم ليس جديداً، ولعله بدأ منذ أن بدأ رفع الركام. لكن، وسط التجاذبات السياسية والقضائية المتعلقة بسير القضية، فإن منحى تهديم معلم أساسي من معالم الانفجار الذي أوقع مئات الشهداء والجرحى ودمّر نصف العاصمة، يأخذ وجهاً وجدانياً كما قضائياً. إذ إنه بات يتعلق بمحو ذاكرة من فقد أولاده وأهله ومن سالت دماؤهم في المرفأ، وليس بمعالجة وضع الإهراءات كبنية حجرية. فانفجار المرفأ النائم سياسياً حتى في خطب كثير من المرشحين الذين شغلوا الشاشات بعد الرابع من آب، لا يزال يمثل حالة سياسية بحتة في كل الاتجاهات، حتى من خلال إعادة تعيين المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا في منصبه مدنياً. عدا عن التجاذب القضائي والسياسي حول النواب والوزراء المعنيين. ولولا صدور التقرير الفني المتعلق بالإهراءات وما تبعه من تحرك لأهالي الضحايا، لكان التعتيم على قضية انفجار المرفأ مستمراً وسط الانشغال السياسي المنصبّ على إجراء الانتخابات.

وقد يبدو غريباً الإصرار المستمر حكومياً، وفي الوزارات المعنية، على عملية الهدم، وكأنها تشكل حالياً عائقاً أمام سير عمل الحكومة، فيما المشكلة التي انبثقت أخيراً من الحرب الروسية - الأوكرانية بعدم وجود مخزون كاف للقمح، لم تجد مسؤولاً حكومياً يتابع هذا الملف عندما كانت طبول الحرب تقرع بين روسيا وأوكرانيا قبل أشهر.

يبدو غريباً الإصرار على الهدم وكأن هذا العائق الوحيد أمام سير عمل الحكومة


المفارقة أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تنتهي صلاحياتها كحكومة قائمة بعد شهرين تقريباً، والتي وجدت الوقت الكافي لمعالجة وضع إهراءات القمح بهدمها، لم تجد بعد حلاً لمشكلة الكهرباء بعدما جال رئيسها في دول عربية لتأمينها ووعدت الحكومة ووزارة الطاقة اللبنانيين بها مطلع السنة الجارية، قبل إرجاء الوعد إلى بداية الربيع ومن ثم إلى ما قبل الانتخابات. كما لم تتمكّن من معالجة وضع المولدات التي بدأ أصحابها يتقاضون التسعيرة بالدولار، ولم تستطع كبح جماح المصارف.
في رسالة بعثت بها إلى أحد المعنيين بالشؤون الاجتماعية والإنسانية، اعتذرت مؤسسة إنسانية أوروبية عن عدم استكمال برنامج المساعدات، نظراً إلى تحويل كل الجهود والأموال نحو إغاثة اللاجئين الأوكرانيين، والاستعداد للاحتمالات المتوقعة حول حرب أوكرانيا وانفتاح الأزمة على مزيد من السيناريوهات المأساوية. هذه الواقعة ليست يتيمة لأنها بدأت تتعمّم وتتوسع في مجالات اجتماعية وصحية، بعدما أصبحت المؤسسات الإنسانية تتكل منذ انفجار المرفأ وحتى أزمة كورونا، على المؤسسات الإنسانية الأوروبية تحديداً في تغطية العجز المتمادي في القطاع الصحي والاجتماعي. وأي نقص في هذا الدعم سيعني مزيداً من التراجع في تقديم الخدمات. وهذه واحدة من انعكاسات الحرب الأوكرانية على لبنان تضاف إلى المشكلات الاقتصادية والحيوية. ومن شأن توقف المساعدات والانهيار المتمادي في الوضع الاجتماعي، وضع اللبنانيين أمام خيارات تزداد سوءاً، فيما الحكومة مشغولة بالمحاصصة في التعيينات، ولم تجد بعد الوقت الكافي لمواجهة الانهيار، لا بل تتصرف وكأنها أصبحت فعلاً حكومة تصريف الأعمال، بعد الانتخابات لا قبلها.
في الرابع من آب 2020، التصق انفجار المرفأ باسم حكومة الرئيس حسان دياب وعهد الرئيس ميشال عون. مع هدم الإهراءات سيلتصق القرار باسم حكومة ميقاتي والعهد معاً، لأن كل التبريرات الفنية لن تكون كافية لإقناع أهالي الشهداء بأن حكومتهم قررت ألا يبقى شاهد حجري لجثامين أولادهم ولدماء وأشلاء بقيت بين أنقاض المرفأ.