في تاريخ إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان، كانت الأفضلية لـ «التفكير الخطي» على «الدائري»، وهي آفة عالمية عموماً، مع فروقات جوهرية بين البلدان الصناعية وتلك الاستهلاكية. بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان (البلد الاستهلاكي بامتياز)، ما هي المقترحات الاستراتيجية والخطط التي يفترض أن تحملها وزارة البيئة لإدارة هذا الملف عقب الانهيار وانفجار المرفأ الذي دمر معامل الفرز والتخمير التي كانت تخدم ما يقارب نصف النفايات المنزلية الصلبة؟

الصراع بين المستثمرين في المعالجة والمؤثّرين في وضع أسس المعالجات، كان بين خطين رئيسيين، أحدهما يراهن على «استرداد الموارد» من النفايات ويؤيد خطط الفرز وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع وتخمير المواد العضوية، والثاني يراهن على «استرداد الطاقة» من النفايات، مراهناً على الحرق، إما في محارق لإنتاج الطاقة الكهربائية أو في تحويل النفايات إلى وقود بديل يستخدم في أفران شركات الترابة. إضافة إلى خط ثالث مسيطر فضّل البقاء على حالة الطوارئ في المعالجة عبر جمع كل شيء ونقله مكبوساً وإعادة فرزه وتخميره كيفما اتفق، ومن ثم إلى الطمر العشوائي أو شبه المنظّم. أصحاب مشاريع المحارق خسروا المعركة بسبب ارتفاع كلفة الاستثمار والتشغيل، ومع انهيار العملة لم يبق إلا المستثمرون في الوقود البديل، مع العلم أن معظم المواد القابلة لإعادة التصنيع هي نفسها القابلة للحرق، لا سيما مادتي البلاستيك والكرتون بشكل رئيسي والأقمشة وتوابعها بشكل أقل.
الظروف الاقتصادية والحياتية مواتية الآن لخط استرداد الموارد والاقتصاد الدائري الأقرب إلى الطبيعة وإلى المبادئ الاستراتيجية وقناعات وزير البيئة ناصر ياسين، بحسب ما تبدّى أخيراً في محاولته إقناع البلديات واتحادات البلديات وجمعيات الفرز وإعادة التصنيع باعتبار النفايات موارد يمكن الاستفادة منها في حال تطبيق مبادئ التخفيف والفرز من المصدر. ولكن، هل الاتجاه لتشجيع الفرز وإعادة التصنيع في لبنان له في المقابل مقوّماته الواقعية التي تستطيع أن تستوعب هذا الخيار؟
يجزم كثر من ممثلي قطاع التدوير في لبنان أن في الإمكان بناء اقتصاد حقيقي من النفايات، إن عبر إعادة التصنيع للكثير من المواد أو عبر التوضيب والفرم وإعادة التصدير وإدخال العملات الصعبة.
في لبنان ثلاثة مصانع كبيرة لإعادة تصنيع الكرتون تحتاج إلى ما يقارب 12 ألف طن من نفايات الورق والكرتون سنوياً. نصف الكمية كانت تؤمنها معامل الفرز في الكرنتينا التي تضررت في انفجار المرفأ وتوقفت عن العمل، وأقل من نصف الكمية من جامعي الكرتون من المستوعبات وأماكن أخرى قبل أن تذهب إلى المعامل. عندما خسرت المعامل أكثر من نصف الكمية التي تحتاجها طلبت من وزارة البيئة السماح لها باستيراد نفايات الورق من الخارج! هذا التوجه لاستيراد نفايات الورق، في وقت يعاني لبنان من أزمة إدارة نفايات، يعدّ فضيحة كبيرة، مع الأخذ في الاعتبار أكلاف استيراد النفايات وصعوبتها إذ تتطلب تدقيقاً دولياً بحسب اتفاقية بازل لإدارة النفايات العابرة للحدود بين الدول. فكلفة استيراد طن نفايات الورق والكرتون من الخارج تقارب 180 دولاراً، في حين لم تكن تتجاوز 120 دولاراً، رغم أن المعامل كانت تتحمل كلفة النقل. وليس مفهوماً لماذا لم تتلقف البلديات هذه القضية وتتعاون مع المعامل التي يمكنها استيعاب كل النفايات الورقية التي تشكل 16% من النفايات، علماً أن بعض الجامعات كانت تقوم بهذه المهمة مباشرة مع معامل إعادة التصنيع.
الأمر نفسه ينطبق على النفايات البلاستيكية التي تشكل 14% من النفايات الصلبة. وكانت معامل إعادة تصنيع الورق والكرتون والبلاستيك في لبنان في ذروة عملها يوم كانت العقود مع شركتي سوكلين وسوكومي تلزم الشركات الملتزمة الجمع والمعالجة بفرز 22 % من النفايات. صحيح أنها لم تكن تصل إلى هذه النسب، لكن بمجرد تحسين عمليات الفرز لتصبح أقرب إلى المصدر، فإن هذه النسب سترتفع حتماً مع تحسن مهم في جودتها وأسعارها وكلفة تنظيفها.
ليست هناك أرقام دقيقة حول حجم النفايات البلاستيكية في لبنان، رغم جزم البعض بأنها لا تقل عن ألف طن شهرياً، وأن في الإمكان استيعابها كلها في معامل إعادة التصنيع أو التصدير، وأن سعر الطن منها يتراوح بين 500 و700 دولار بحسب النوعية.
الكميات الأكبر من المواد القابلة لإعادة التصنيع من ورق وبلاستيك لها سوق مهم في لبنان. وإذا أضفنا إليها المواد المطلوبة جداً في سوق النفايات، من دون حاجة لتدخل أحد، كالمواد المعدنية، وخصوصاً نفايات الألومنيوم والحديد الغالية الثمن… تبقى نفايات الأقمشة والأحذية. وهذه الأخيرة وجدت لها سوقاً لا بأس بها أخيراً، إذ ينقل الكثير من التجار نفايات القماش إلى معامل في حلب لصناعة البسط. أما نعال الأحذية من نوع pvc فباتت تدوّر ويعاد تصنيعها كـ«دعسات» للسيارات.
في الحصيلة، لن يبقى الكثير ليحرق أو حتى ليطمر. وهنا تجدد بعض الجهات العاملة في اقتصاد النفايات اقتراحاتها، بأن لا يطلب من الآن وصاعداً من اتحادات البلديات والبلديات إيجاد مواقع للمطامر، بل إيجاد مراكز للفرز والتخمير والتجميع. وأن تبقى النفايات منظورة، حتى تلك التي تصنف غير قابلة لإعادة الاستخدام أو التصنيع. إذ ربما، بعد أن تصبح كميتها كبيرة، يتم إيجاد حلول ذات جدوى اقتصادية. وهنا يفترض العودة إلى تطبيق مبدأ التخفيف. فكل مادة غير قابلة لكل ما ذكرنا، وتتحول إلى مشكلة، يتم وضع ضريبة أعلى عليها، أي على المنتج أو المصنع، تساهم في دفعه إلى تغيير اتجاه التصنيع، ويتم التخلص من هذه المادة في نهاية المطاف. كما تساهم مراكز التجميع في فرز أنواع أخرى من النفايات يمكن أن تكون لها معالجات خاصة، مثل تطبيق مبدأ الاسترداد، أي أن يتم ردها إلى المنتج أو الوكيل أو المستورد. وهذا المبدأ يطبق على الكثير من المواد وفي طليعتها الإلكترونيات والبطاريات والأدوية على أنواعها، عبر إيجاد آلية تلزم من يستورد أن يتحمل مسؤولية الاسترداد وإعادة التصدير من مراكز التجميع التي تشرف عليها البلديات.
أما لناحية توليد الطاقة من النفايات، فترى الأوساط البيئية أن التقنية الأقرب إلى الطبيعة والبيئة والاقتصاد الدائري… هي التي يمكن أن تتولد من غاز الميثان، لا سيما الغاز المتولد عن طريق التخمير اللاهوائي للمواد العضوية، أو من المطامر القديمة. أما لناحية المفاضلة بين استخدام الفحم الحجري أو البتروكوك، وبين النفايات كوقود بديل في أفران شركات الترابة، فأمر لا تصح فيه المقارنة بحسب الأوساط نفسها، لأن النظرة الاستراتيجية للموضوع، التي تأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية والتكلفة وحجم التدهور البيئي والتكلفة الصحية… تجعل من خيار الحرق فكرة لا تستحق المغامرة، خصوصاً إذا نجح خيار استرداد الموارد الذي تمنحه الاستراتيجية الأولوية في المعالجة.
هذه القضايا وغيرها، من أبرز المواضيع التي كانت على جدول أعمال الورشة التي ستنظمها وزارة البيئة مع لجنة البيئة النيابية غداً. فهل تنجح هذه الورشة، للمرة الأولى، وفي هذه الظروف الاستثنائية المؤاتية للبحث في اقتصاد النفايات، في وضع أسس للمعالجات المستدامة بدل خطط الطوارئ التقليدية؟