الحركة الأولى: خطاب الهزيمة

ثماني عشرة دقيقة ونصف دقيقة هي المدة التي أمضاها الرئيس الأميركي جو بايدن في إحدى غرف البيت الأبيض، حيث احتشد الإعلاميون مطلع الأسبوع الماضي لسماع تصريحاته الأولى حول سقوط كابول بيد حركة طالبان بعد عشرين سنة من الاحتلال الأميركي (بمساعدة أتباعهم الناتويين والمحليين). خطاب بايدن المتلعثم والمرتبك هو من أجمل الإنتاجات الصوتية الصادرة عن البيت الأبيض منذ كلمة رونالد ريغان المختصرة، في 23 تشرين الأول 1983. احتوت معزوفة البيت الأبيض يوم 16 آب 2021 على كل المكوّنات الموسيقية التي تُطرب المستمع الذي سئم حفلات رقص الغزاة على قبور شعوب الجنوب التي دائماً تبدأ بتصريح في أحد أجنحة أو حدائق البيت الأبيض في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة وتتكرّس ثقافة مهيمنة في أفلام تُنتجها استوديوهات هوليوود على الشاطئ الغربي للبلاد. ألقى بايدن اللوم على أدواته الأفغانية التي فشلت رغم كل «التضحيات» المقدّمة من بنات الولايات المتحدة وأبنائها، ولن يقبل بإضافة صفوف لامتناهية من شواهد القبور في مقبرة أرلنغتون الوطنية من أجل حرب أهلية لا يريد الجنود الأفغان خوضها. ثم تطرّق سيّد البيت الأبيض إلى أوجاع الأميركيين الذين ساهموا في عملية الغزو والاحتلال عند رؤيتهم المشاهد المؤلمة الآتية من أفغانستان، لكنه قال إن «أولوياتنا» في مكان آخر (في مواجهة الصين وروسيا تحديداً)، ولن يضيّع وقتاً أكثر مع شعب لا يستحق تضحيات أميركية. أما بالنسبة إلى الأفغان فطمأنهم إلى أن الولايات المتحدة تحمل لواء حقوق الإنسان وستبقى تشهره أينما حلّت، ثمّ هرع بايدن من الغرفة هروباً من أسئلة الصحافيين تماماً كما هربت قواته من مطالبات «المترجمين والمتعاقدين» المتعاونين مع الاحتلال بإجلائهم من مطار حامد كرزاي الدولي.

الحركة الثانية: إنكار الهزيمة
سارع عملاء الاستعمار في المنطقة إلى التعمية على الهزيمة الأميركية حاملين راية حقوق الإنسان (وخاصة حقوق المرأة)، ومصوّبين على تاريخ حركة طالبان الظلامي في الحكم. لن ندخل في إنجازات سلطة الاحتلال الأميركي على صعيد حقوق المرأة لأنها بالكاد موجودة خارج دائرة صغيرة من المحظيات، وطبعاً لن ندافع عن حركة طالبان الرجعية التي تدّعي أنها تغيّرت، ولا شكّ أنها طوّرت لعبتها الإعلامية كثيراً، ما يجعلها أكثر خطراً من السابق. لكن من سكت على مدى عشرين عاماً على انتهاكات الاحتلال وجرائمه بحق الأفغان نساءً وأطفالاً ورجالاً، لم ينتفض اليوم نصرةً للمرأة الأفغانية، بل لأنه يحمل تحت إبطه ما ينعره. الهزيمة الأميركية تذكير بأن من راهنوا عليه ليس سوبرمان الأفلام الجبار الذي يحلّق بهم بمجرّد أن يتمسّكوا بحرملته الحمراء، وأنه في الحقيقة قد يهزم من «متخلّفين» وفقاً للتراتبية العنصرية للأعراق. المُرعب في المشهد بالنسبة إليهم هنا ليس مستقبل المرأة الأفغانية، بل هجرة الأميركي لهم وتركهم لمواجهة مصيرهم بأنفسهم، لذلك من الأفضل إنكار وتجاهل ما حصل لأنه إذا تظاهرنا أن ما حصل في أفغانستان لم يحصل في أفغانستان، فهو حتماً لن يحصل في مكان آخر، يمكن تسمية هذه الظاهرة متلازمة دوري شمعون الذي لا يزال لا يصدّق أن «إسرائيل» هُزمت في حربها مع لبنان.

في يوم الهزيمة لن يكون «المتعاون» اللبناني أعزّ على خليفة «العزيز جيف» من «المتعاونين» الأفغان


الحركة الثالثة: جوقة السفارة
في إحدى جلسات «الفضفضة» (https://wikileaks.org/plusd/cables/06BEIRUT2544_a.html) مع مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ويلش وعرّاب حركة 14 آذار السفير الأميركي جيفري فيلتمان في الأسبوع الأخير لعدوان تمّوز عندما بدأ يتبيّن أن «إسرائيل» قد تُهزم في حربها، شكا دوري شمعون ورفاقه (أمين وبيار الجميّل وكارلوس إدّه وفارس سعيد وجورج عدوان ونايلة معوّض ونسيب لحود وبطرس حرب) للمسؤولين الأميركيين مخاوفهم من هزيمة «إسرائيل». طبعاً كان «بعبع الشادور» حاضراً إلى جانب عدد من النصائح حول إطالة أمد الحرب، لكن فيلتمان وصف في تقريره نشاز الجوقة بـ«البارانويا اللبنانية المعتادة». كان جيفري فيلتمان يحتقر مجالسيه وظهر ذلك مراراً في تقاريره السرية التي سُرّبت ونُشرت عبر «ويكيليكس»، وهو كان يستمع إلى الكثير من الآراء الذكية والنصائح الخبيثة والتي كانت قد تنفع في إنجاح المشروع الأميركي - الإسرائيلي في حينها، لكنه لم يكن يأخذ أمثال فؤاد السنيورة على محمل الجدّ. هذا الاحتقار وهذا التجاهل للمخبرين المحليين هما النتيجة الحتمية للغرور العنصري في المنظومة المهيمنة. لا أحد يحترم العميل، فما بالك إذا كان المشغّل المستعمِر يعتبر نفسه متفوّقاً عرقياً على العميل الحقير؟ هذا الغرور يجعل شخصاً يجهل لغتك يدّعي أنه يعرفك أكثر من نفسك. رغم نهب الثروات، ومنها الثروة المعرفية التي تتكدّس على رفوف مكتبات الجامعات وأكاديميات الاستعمار، ورغم التوغّل في كلّ المدن والبلدات والقرى حاملين الاستبيانات والأسئلة لاكتشاف الطريقة المُثلى لاستعمار أهلها الذين أبوا أن يخضعوا، يتصرّف عرّابو الاستعمار اليوم بغباء كوميدي يُسرّع من هزيمتهم الحتمية.

الحركة الرابعة: العرّابة
عوّدتنا هوليوود على مدى سنين ألّا يرتقي الجزء الثاني من أفلامها إلى مستوى الفيلم الأصلي. ولذلك سببٌ بنيويّ، إذ غالباً ما يفرض نجاح الفيلم على فريق العمل إنتاج جزءٍ ثانٍ لجني الأرباح المالية المؤكدة، وقد يكون كل الإبداع قد استُنفد في العمل الأوّل. فيلم «العرّاب» هو من الأفلام القليلة التي كان جزؤها الثاني بمستوى الأوّل، ولكن مع ذلك تدخّل رأس المال السينمائي وأفسده بجزءٍ ثالث. للجزء الثاني من فيلم 14 آذار الذي نشاهده اليوم عرّابته التي تُفَلْتمِن ثورة أرزٍ جديدة مع ابن دوري شمعون وابن أمين الجميّل وابن نايلة معوّض… هل اتّضحت رداءة الفيلم بعد، أم نكمل سرد أسماء الأبطال؟ أدوات المعركة هنا غير تلك في أفغانستان. إذ تلقي قوى الناتو بكامل ثقلها هنا للفوز في الانتخابات النيابية القادمة في الرميل وزغرتا الزاوية. لا شكّ أن هناك من يُبدي آراءً ذكية ويُسدي نصائح خبيثة على مسمع عرّابة المرحلة، لكنها توزّع عليهم الكمامات لتُسكِتَهم لأن المستعمر في نهاية المطاف عنصري مقيت لا حلفاء له، بل أدوات تنتفي حاجته إليهم عند تغيّر الأولويات. قد يظن المتعاقدون والمتعاونون مع قوى الاستعمار في لبنان أنهم أكثر قيمة من غيرهم لأنهم يتقاضون أجراً أعلى من غيرهم مقابل خدماتهم. لكنّ هذا الإنفاق ليس بسبب التفوّق الجيني اللبناني بل لأن في لبنان مشروعاً يقاوم الاستعمار ويجب هزيمته. لكن ذلك لن يحصل مهما كلّف الأمر، فللمستعمر سقف إنفاق لن يتعداه. وفي يوم الهزيمة لن يكون «المتعاون» اللبناني أعزّ على خليفة «العزيز جيف» من «المتعاونين» الأفغان. سيخرج يومها في البيت الأبيض من يمنّن «حلفاءه» بأنه درّبهم وأنفق عليهم وضحّى من أجلهم، لكنهم لا يملكون إرادة القتال. أحياناً إرادة المشغّل وإرادة العميل لا تتطابقان، فقد تنتقل أولويات المواجهة للمشغّل شرقاً، ويُترك العميل يستجدي نقلة من ناقلة جندٍ منسحبٍ.