«سنوات الرصاص» هي مرحلة من تاريخ إيطاليا، امتدت من أواخر ستينيات القرن الماضي حتى أوائل ثمانينياته، وشهدت تصاعداً للعنف السياسي المسلح. ورغم أن هذا التطور كان جزءاً من سياق احتدام الصراعات السياسية والاجتماعية على الصعيد العالمي بين الامبرياليات الرأسمالية من جهة، ودول المعسكر الاشتراكي وحركات التحرر الوطني والاحزاب الشيوعية واليسارية الجذرية في دول الغرب من جهة أخرى، إلّا أن المعطيات والمعلومات التي تم الكشف عنها في بداية التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره، ألقت الضوء على عوامل أخرى ساهمت في تأجيج العنف في ايطاليا. فبعد الحرب العالمية الثانية، وبحجة الإعداد لاحتمال اجتياح القوات السوفياتية لبلدان في أوروبا الغربية بعد اجتياحها تلك الشرقية، بنت الاستخبارات الأميركية والبريطانية، بالتعاون مع الاستخبارات الايطالية وعدد من السياسيين المنتمين إلى تنظيمات يمينية أساساً، شبكة مكلّفة بتنظيم مقاومة خلف خطوط العدو، في حال وقوع مثل هذا الاجتياح. أطلق على هذه الشبكة اسم «غلاديو»، أي السيف بالايطالية، وهي قامت بإنشاء مخازن سريّة للسلاح، وبالتعاون على المستوى السياسي والأمني بين مكوناتها لمجابهة النفوذ السوفياتي الذي اعتبر الحزب الشيوعي الايطالي أبرز ممثليه المحليّين. كان هذا الحزب يتمتّع بشعبية عالية آنذاك في أوساط الطبقة العاملة وبقية الطبقات الكادحة نتيجةً لدفاعه المستمر عن مصالحها، عبر النضال السياسي والنقابي، وانتزاعه لمكتسبات ملموسة لها، أدخلت تحسينات فعليّة على مستويات حياتها اليومية، ونوعيّتها. لم يكن مستبعداً أن يصل الحزب إلى السلطة عبر الانتخابات وحده أو من خلال تحالف مع ائتلاف من القوى اليسارية الأخرى. ومع ابتعاد احتمال الغزو السوفياتي، بات التصدي لإمكانية وصول الشيوعيّين إلى السلطة أولوية الشبكة والأطراف الدوليّة الراعية لها. هذه هي الظروف التي سادت عند بلورة «استراتيجية التوتر» ووضعها موضع التنفيذ. في تلك الفترة نفسها، وعلى وقع استعار النزاعات السياسية والاجتماعية على صعيد عالمي، وانتشار الأفكار الثورية التي تجلت على الساحة الاوروبية خلال انتفاضات الطلبة في أيار 1968، نمت تيارات يسارية جذرية تأخذ على الحزب الشيوعي توجهاته «الاصلاحية»، وتؤمن بضرورة التغيير الثوري للأنظمة السائدة. جرت مواجهة هذه التيارات بعنف مفرط من قبل الأجهزة الأمنية، التي وظّفت لذلك أيضاً المجموعات اليمينية المتطرفة، التي اتضح في ما بعد أنها كانت قوّة رديفة لها. وبدءاً من سنة 1969، وقعت سلسلة من التفجيرات العشوائية وأعمال العنف، أوّلها تفجير مطعم «بيتزا فونتانا» في مدينة ميلانو، الذي تسبّب بمقتل 17 شخصاً وجرح 88، اتهمت فصائل من اليسار الجذري بالمسؤوليّة عنه، وظهر في ما بعد أن اليمين المتطرف هو من قام به. دخلت ايطاليا في الفترة التي تلت في دوامةٍ من العنف والعنف المضاد وتشكّلت مجموعاتٌ مسلّحة يسارية جذرية، كالألوية الحمراء و«بريما لينيا»، ويمينية متطرّفة كـ«أورديني نيوفو»، انخرطت جميعها في المواجهة الدائرة.
الاستخبارات الأميركية غذّت الإرهاب في ايطاليا للحؤول دون وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة


ومن الممكن القول بوعي اليوم إن الدولة العميقة الايطالية، التي ضمت في صفوفها العديد من بقايا رحلة موسوليني الفاشية، استدرجت قوى اليسار الجذري إلى العنف، عبر الإفراط في السياسات القمعيّة المتشدّدة، واستخدام التيّارات اليمينية المتطرفة في إطارها، ليس لتصفية الأولى فحسب، بل لإنضاج الظروف المؤاتية لفرض نوعٍ من حالة الطوارئ الدائمة، بذريعة مكافحة الإرهاب، والحؤول دون وصول المكوّن الرئيسي لليسار، أي الحزب الشيوعي، إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. وقد اعترف العديد من المسؤولين السياسيّين والأمنيّين الايطاليين في ما بعد بوجود مثل هذه الاستراتيجية، كالجنرال جياناديلو ماليتي، الرئيس الأسبق للاستخبارات الايطالية، الذي أعلن في آذار 2001 أنّ الاستخبارات الأميركية غذّت الإرهاب في ايطاليا. أما الجنرال نينو لوغاريسي، رئيس الاستخبارات العسكرية الايطالية بين 1981 و1984، فقد أسرّ بأن جهازاً ضخماً لـ«غلاديو»، ضمّ أكثر من 800 عضو، كان مسؤولاً عن عمليات ضد «أهداف وطنية» في ايطاليا. وأتت شهادة ستيف بيكزنيك، الموظف السابق في الخارجية الاميركية، وفرانسيسكو كوسيغا، وزير الداخلية الايطالي الأسبق، عن تورّط «غلاديو» والمخابرات الاميركية في اغتيال رئيس الوزراء الايطالي الأسبق ألدو مورو في 1978، عبر عناصر اخترقت تنظيم الألوية الحمراء لحسابهما، في الوثائقي الهام «الأيام الأخيرة لألدو مورو»، لتمثل إضافة نوعية إلى ملف «سنوات الرصاص». جريمة ألدو مورو، رئيس الحزب الديموقراطي المسيحي اليميني، كانت اقتراحه «تسوية تاريخية» على الشيوعيّين تسمح بمشاركتهم في السلطة من خلال حكومة وحدة وطنية تتيح عودة الاستقرار إلى ايطاليا.