الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، ستُظلم القضية البيئية. مع تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية في طريق البحث عن حكومة جديدة وبرنامج إنقاذي، همّه الأساس المعلن، مكافحة الجوع والفقر والنقص في الغذاء والدواء والطاقة والمياه… تصبح قضية البيئة و«نظافتها» ترفاً لن يدخل في أجندة أحد. هذا إذا غضضنا النظر عن دوافع أخرى، خارجية للاستثمار، أو داخلية لترتيب الانتخابات المقبلة بأيّ ثمن… وعلى حساب البيئة بالطبع.

تقع السلطة كما المعارضة التقليدية في إشكالية كبيرة مع كل تحوّل أو عملية انتقال (ولو شكلية) في السلطة، ولا سيما على المستوى البيئي. فالعنوان الرئيسي لطالبي السلطة ومعارضيها (لناحية البيئة) هو المطالبة بـ«بيئة نظيفة». في الواقع، كان هذا المطلب (أو الشعار)، ولا يزال، من أسخف المطالب وأكثرها تسطيحاً للقضايا الحقيقية. وهو يحمل دلالات تساهم في التعمية عن حقائق ومشاكل باتت وجودية. بات شعار «النظافة» شكلياً إلى درجة أنه يختصر الأزمات بأزمة واحدة هي جمع النفايات من الطرقات وكنسها! وهو ينمّ عن خلفية فكرية تقول إن علينا أن نستمر في كل السياسات وفي مختلف القطاعات ومشاريع التنمية التقليدية المدمّرة… على أن نأخذ في الاعتبار نظافة البيئة فقط!
توحي إشكالية «النظافة» التي روّجت لها، بداية، جمعيات المجتمع المدني السطحية، أن البيئة ملحق للأحداث وليست في صلبها، مع أن كل شيء، في الواقع، يعتمد على البيئة، وأن هدف التفكير البيئي المنقذ الجديد هو قلب المعادلات، لتصبح كل السياسات بخدمة البيئة، لأن سلامتها وسلامة أنظمتها الطبيعية المتعددة هما من سلامتنا على المستويات الصحية والاجتماعية والاقتصادية كافة.
صحيح أن المطلوب الآن أموال خارجية بالدولار لإنقاذ الوضع، وأن الخروج من دوامة الاستدانة مجدداً أمر شبه مستحيل في المدى المنظور، وأن لا حلول في الأفق سوى بيع الأصول ووضع اليد على الأملاك العامة أو رهن الذهب… الخ، إلا أن فكرة الاستدامة بدل الاستدانة لا تزال مبهمة ومهملة، ليس لها من يتبنّاها أو يدافع عنها، ربما لتجنب دفع أكلافها (من رصيد الرفاهية الموعودة دائماً) ولما تتطلبه من تراجع (ما) عن أفكار التنمية وعن متطلبات المجتمع الاستهلاكي.
البداية الجديدة نحو مجتمع الاستدامة لن تحصل مع الحكومة المنتظرة بالتأكيد، ولا مع أيّ حكومة للخصوم المحليين المعروفين على الساحة السياسية. كما أنها لم تظهر بعد على صعيد ما يُسمى قوى المجتمع المدني التي تستعد أيضاً للسباق الانتخابي المقبل. ولكن يمكن القول إن البداية الفكرية، التي تتطلب تأسيس تيارات فكرية جديدة، والتي يمكن أن تكون أكثر مشروعية وواقعية وتفتح آمالاً حقيقية للتغيير، لم تتبلور بعد رغم إلحاحيّتها. هذه المقدمات الفكرية لبلورة المبادئ الفلسفية للاستدامة في برامج محددة، والتي كان يفترض أن تندرج ضمن أطر التفكير والتخطيط الثوري، ليست مهمة من أجل الانتخابات المقبلة ومحاولة التغيير العميقة فقط، بل لتجنب مزيد من الكوارث أيضاً.
وعلى أي حال، فإن تطبيق مبادئ الاستدامة والتخطيط الاستباقي أقل كلفة على المجتمع وديمومة الموارد من كل النواحي. التجنّب أفضل من التكيّف، كما الوقاية خير من العلاج، ودرء المفاسد أولى من جلب المنفعة… فماذا ننتظر؟ هل نتحمّل مزيداً من الكوارث والانهيارات الإضافية بعد؟!
سبقنا الزمن كثيراً. ففي وقت كان الحكام يتقاتلون على المغانم والمكاسب وتقاسم الحصص والنزاع على الصلاحيات، كانت مقوّمات الدولة تترنّح والبلد ينهار. وفي وقت كنا نبحث عن الوقود الأرخص كالفيول والمازوت والبنزين، كنا نفوّت الفرص للبحث في وضع استراتيجيات لتجنب مخاطر وجودية أكبر من الأزمات التي نشكو منها كمثل قضية تغيّر المناخ. مع العلم أن زيادة درجات حرارة الأرض ستزيد من كوارث باتت متكررة كزيادة الحرائق والجفاف ونقص المياه والفيضانات… وهي بتفاقمها المستمر ستطيح أكثر وأكثر بكل مكتسبات التنمية التي صرفنا عليها الكثير وهدرنا فيها أكثر.
من هنا، تصبح سياسات الحماية أولى من سياسات الاستثمار. كما سياسات التوفير في الاستهلاك أولى من سياسات التنقيب عن موارد جديدة أو الاستيراد، وإعادة النظر في خطط النقل ودعم النقل العام أولى من تشجيع استخدام السيارات الخاصة. كما أن تحويل مواقف السيارات في المدن إلى حدائق خضراء يمكن أن يخفف من آثار تغيّر المناخ الحتمية، إن لناحية امتصاص ثاني أوكسيد الكربون أو لناحية امتصاص التربة للأمطار والتخفيف من حدة زيادة الفيضانات المتوقّعة حتماً… بالإضافة إلى التخفيف من مخاطر تلوّث الهواء.
التفكير الجديد في سياسات التوفير والحماية والتجنب والتخفيف... لن ينضج بالطبع إذا استمررْنا في متابعة الأخبار والحوارات السياسية والفنية لشاشات التلفزة المملوكة من الجهات السياسية (المتحالفة مع القوى الاقتصادية المسيطرة والمتحكّمة بالسياسات والأسواق) المتسببة بالأزمات والتي يقتصر دورها على الترويج لنفسها، ولا سيما في نشرات الأخبار والبرامج السياسية المحوّرة للوعي. ولعل أكثر ما يساعد في إنتاج فكر جديد هو دعوات لمقاطعة هذه الشاشات وأخبار السياسيين التقليديين المشكوّ من فسادهم وسوء إدارتهم للشأن العام، وابتداع وسائل تواصل جديدة. إنما المهم، أولاً، إنتاج وتبنّي فلسفة وسياسات الاستدامة وتغيير النموذج الحضاري المسيطر والمسبّب لكلّ هذه الكوارث.