يجب التفكير بمسألة رفع الدعم من زاوية عملية، لتقدير هَول الأزمة. المزارع في البقاع، الذي يبيع إنتاجه من الخضار في مناطق جبل لبنان وبيروت، سترتفع كلفة إنتاجه - كتشغيل مولّد الريّ وجرار الحراثة وكلفة النقل في الشاحنات من البقاع إلى المدن الساحلية - بسبب ارتفاع أسعار المحروقات بعد قرار وقف الدعم عن استيرادها. هذا مُزارع يعيش من محصول أرضه، سيضطر إلى رفع أسعار الخيار والبطاطا والفاصوليا… ليُعوّض كلفة الإنتاج المرتفعة جدّاً، بخاصة أنّه لا يحصل على أي دعم مادي أو اجتماعي أو صحي من الدولة. العديد من زبائنه، المتأثرين أيضاً بزيادة أسعار الطاقة، وبالكاد باتت رواتبهم تكفيهم لتأمين الحاجات الأساسية، باتوا مُجبرين على المفاضلة بين ما يجب شراؤه وما يُمكن التخلّي عنه، وحتى التوفير في الكميات. المردود المادي للمُزارع من بيع الخضار لم يعد مغرياً لتكبّد مشقّة قطع مسافات طويلة وتكلفة إنتاج عالية. سيُقلّص أعماله ويحصر الأسواق التي يبيع فيها، ما يعني مدخولاً أدنى، وقدرة معيشية أدنى، وعائلة مرتبطة به سيُفرض عليها مرّة جديدة تعديل أسلوب حياتها. وضع المزارع سينسحب أيضاً على صاحب محل الشاورما في منطقة غير مُصنّفة «برجوازية»، وزبائنه أساساً من الطبقات الدنيا اجتماعياً. إلى أي حد سيتمكّن من رفع أسعاره، لتعويض كلفة فاتورة الكهرباء والمولّد واللحوم والمواد الأخرى، مع المحافظة في الوقت نفسه على زبائنه؟ وصاحب معمل البوظة الصغير، سيجد أنّه حتى لو تحمّل خسارة ولم يرفع أسعاره لتتلاءم مع كلفة الإنتاج، قد خفّ استهلاك الناس من البوظة لأنّها باتت من «الكماليات» في حياة الفقراء ومن كان ينتمي إلى الطبقة الوسطى. سيُقفل ويطرد العاملين لديه، الذين يُصبحون بدورهم من دون أجر. معمل الأمصال الذي توقّف عن الإنتاج بسبب انقطاعه من المازوت قبل أيام، سيتمكّن بعد توافر المادة بسعر السوق من الإنتاج، ولكن وفق أي كلفة على المستشفى؟ وكم ستطلب من المريض لقاء استشفائه؟ وكم طبيباً وممرضاً ستطرد؟ كلفة لن يقدر على تحمّلها سوى الأغنياء. هي حلقة اقتصادية - اجتماعية، قرّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بالتواطؤ مع قوى سياسية، شنّ هجومٍ عليها وتفتيتها.

المسألة تتعلّق بتأثير رفع أسعار الطاقة على الاقتصاد ومستوى معيشة السكان. حياة الناس لا تقتصر على تأمين المشرب والمأكل. بل واجب الدولة أن تعمل على تعزيز رفاهية الإنسان. أما حصر مسألة رفع الدعم عن استيراد الوقود، بارتفاع سعر صفيحة البنزين أو المازوت والتعامل معها على اعتبار أنّها مشكلة تُحلّ بتخفيف التنقلات أو بتوزيع «كوبونات» شهرية، فهذا تضليل واحتيال. الطاقة عصب الاقتصاد، وقادرة على شلّ كل النشاطات المرتبطة بها. ما حصل في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع يوم الأربعاء، نقل الأزمة في لبنان إلى مستوى أكثر حدّة وقساوة، ليظهر كلّ ما حصل في السنتين الماضيتين، كما لو أنّه «مزحة». المشكلة بدأت حين تناسى رياض سلامة أنّ السياسة النقدية ليست عبارة عن حسابات رياضية، وهي غير مُنعزلة عن السياسة الاقتصادية، وأنّ المادة 70 من قانون النقد والتسليف تُجبره على اتخاذ الإجراءات التي تُحافظ على الاستقرار الاقتصادي. والمشكلة الأكبر كانت في وجود مسؤولين سياسيين دمّروا الدولة، وسمحوا لنفوذ سلامة بالتورّم داخل السلطات كافة والتسبّب بنتائج كارثية على المجتمع. فكانت النتيجة في إعلانه مساء الأربعاء، التوقّف العشوائي عن دعم استيراد المحروقات من دون تأمين البديل للسكّان وقطاعات الإنتاج، وقبل انتهاء «مهلة الدعم» وفق سعر صرف 3900 ليرة / دولار في أيلول المقبل، التي كان قد حدّدها بنفسه.

أيّ زيادة في الأسعار ستدفع الذين يملكون دخلاً منخفضاً نحو المزيد من الفقر


ما هي نتائج تحرير أسعار الطاقة وجعل «السوق» يتحكّم بها، بالتوازي مع عدم وجود استراتيجية حماية اجتماعية، وخيارات بديلة للسكّان؟ في ورقة صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) عام 2017، يُذكر بأنّه «من السهل التنبؤ بالآثار الاجتماعية المباشرة لارتفاع تكاليف الطاقة. مثلاً، إذا ارتفع سعر صفيحة البنزين، فالمستهلكون سيكونون أكثر عرضة للفقر». صحيح أنّ الأغنياء يستفيدون من دعم الطاقة أكثر من بقية الطبقات الاجتماعية لاستهلاكهم كميات أكبر، «لكنهم سيبقون قادرين على الدفع للحصول على الطاقة مهما بلغ ثمنها، في حين أنّ الأسر البسيطة التي تعيش أصلاً بمدخول هامشي، فأي زيادة ولو طفيفة في الأسعار ستدفعها أكثر وأكثر تحت خط الفقر. ما يعني أنّ تضخّم الأسعار لديه القدرة على تدمير الخراب». ويُشير تقرير الـ«إسكوا» إلى أنّ إلغاء الدعم على الطاقة قبل دعم وسائل طاقة بديلة ورفع مستويات المعيشة وتحفيز خلق فرص عمل، «سيُقلّل من الوصول إلى الطاقة ويحدّ من فرص العمل ويُفاقم الفقر». انطلاقاً من هنا، «من الحكمة اختيار الحدّ التدريجي للدعم، بحيث يتمكّن الأفراد والسلطات من التكيّف ببطء»، في حين أنّ الإلغاء المفاجئ للدعم «يكون محفوفاً بالمخاطر القصوى». ينطبق هذا التوصيف على الواقع اللبناني، بحسب عدد من الاقتصاديين تواصلت معهم «الأخبار».
يبدأ هؤلاء بالحديث عن النظرية الاقتصادية التي تُدرّس بأنّ «الاقتصاد، بمعنى التداول بالأسواق، يُحرّكه الاستهلاك»، يعني ضرورة امتلاك الفرد مبلغاً من المال لشراء السلع والخدمات. بعد سنتين من الانهيار، وقرار التوقّف عن دعم استيراد المحروقات، «النسبة الأكبر من الأسر اللبنانية، ويُمكن تقديرها بـ75 في المئة، فقدت القدرة الشرائية لمداخيلها». بشكل عام، مع استثناء الميسورين ومن يتلقون رواتب بالدولار، حصل تراجع حادّ في الاستهلاك، وهذه كانت خطة سلامة عبر ترك الليرة تنهار وخلق أسعار صرف متعددة لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات (صافي الأموال التي تدخل وتخرج من البلد). الذين انهار دخلهم وقدراتهم المعيشية يُعدّون إجمالاً من زبائن وعمّال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، «ما يوصلنا إلى نتيجة أنّ ما لا يقلّ عن 60 في المئة من الناس سيُهدّدون بخسارة العمل والدخل. ارتفاع أسعار الطاقة، يرفع كلفة عمل المؤسسات، ويوصل إلى تعثّر وإفلاس قسمٍ منها». يُشكّل ذلك طبقة جديدة من الأزمة بعد انهيار مداخيل العمّال ومصادرة ودائعهم في المصارف، وإجبارهم على تغيير عاداتهم الاستهلاكية من دون خطة خروج من الانهيار.
ارتفاع الأسعار، وهو الأثر المباشر لتحرير أسعار الطاقة يعني «التضخّم المفرط، وسيتسبّب بانكماش كبير، ويكبح النمو في البلد». لماذا سيتوقف النمو فيما الأسر الغنية والتي تتلقى راتباً بالدولار حافظت على قدراتها الاستهلاكية؟ يُجيب الاقتصاديون بأنّ «الصناعات والتجارات المرتبطة بهم تحصد أرباحاً كبيرة، ولكن مساهمتها في الاقتصاد وتحريك اليد العاملة صغيرة».
من النتائج أيضاً في هذه الحالات، «ارتفاع استهلاك الفقراء ومتوسطي الدخل للسلع الأساسية التي ما زالت رخيصة نسبياً، كالخبز ومنقوشة الزعتر، في حين أنّهم يلغون سلعاً نهائياً من لائحة مشترياتهم». هنا يكمن وجه الاختلاف بين المرحلة الجديدة وما سبقها في الأشهر الماضية، «فالسكّان لم يُجدّدوا سياراتهم ولكن زاد استهلاكهم للبنزين، لم يتوقفوا عن تناول الشوكولا ولكن باتوا يشترون النوع الأرخص. اليوم انتقلنا إلى مرحلة جديدة يُصبح فيها الاستهلاك مُرتبطاً بالمدخول المتاح». ارتفاع أسعار الطاقة سيؤثّر أيضاً في الصناعات الموجّهة للتصدير. فبعد أن «تفاءل» البعض بانهيار العملة المحلية، وتحوّلها إلى «تنافسية» نسبة إلى الأسواق الخارجية، «سترتفع كلفة الإنتاج وأسعار المواد الأولية، بمستوى يمنع العديد من الصناعات من التصدير إلى الخارج».
قرار وقف دعم استيراد المحروقات، هو قرار سياسي اتّخذه رياض سلامة بالتعاون والتواطؤ مع قوى سياسية. هذا ليس موضوعاً تقنياً يُحلّ بطرح وصفات موضوعية، بل معركة سياسية أساسها من يربح ومن يتحمّل الخسارة. يُجمع الاقتصاديون على أنّ الخروج من الأزمة اللبنانية، ولو اعتُمدت لحلّها فوراً أحسن الخيارات، ستحتاج إلى سنوات ليستعيد الاقتصاد عافيته، فكيف إذا كانت السلطتان النقدية والسياسية تُطبّقان أسوأ الإجراءات؟



صَحّحوا الأجور!
يُخبر مدير مركز النمو الدولي في غانا، نيي ك. سووا في مقالةٍ له عن مرحلة توقّف دعم وقود السيارات في غانا، «الذي كان أرخص من المياه المعبأة». اتُخّذ القرار «لتخفيف الأعباء عن الميزانية» من دون اتخاذ إجراءات وقائية، «فعانى كلّ من الإنتاج والفقراء». مثلاً، لم تُستثنَ شاحنات نقل الغذاء من المناطق الزراعية إلى المدن من وقف الدعم، «فارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، ما كان له تأثير خطير على معدّلات التضخم، وفقدت الحكومة سيطرتها على الاستقرار الكلّي». يخلص سووا إلى دعوة الاقتصاديين والسياسيين والمصرفيين والمجتمع المدني إلى «إدراك وجود دعم سيء ودعم جيّد. قد يكون دعم الطاقة قراراً سياسياً يُسرّع من وتيرة التنمية». تعتمد الإجابة على ما إذا كان يجب الاستمرار به أو لا «على معطيات عدّة: كيفية الحدّ من الفقر، الحفاظ على البيئة، الحدّ من التفاوت الاجتماعي، تطوير تقنيات الطاقة البديلة».
تعدّدت تجارب إلغاء دعم الوقود حول العالم، فتُقدّم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، «إسْكوا» مثلاً تجربة عدد من البلدان العربية، كسوريا والسودان وموريتانيا وتونس ومصر والأردن، التي إما قامت بتصحيح الأجور أو وضعت برامج تحويلات نقدية ومساعدة العائلات الضعيفة. تُشدّد «إسْكوا» في تقريرها على أنّ «اتّخاذ تدابير أمر ضروري لتعويض أولئك الأكثر تضرراً. إحدى الوسائل الفعّالة هي ببساطة تصحيح الأجور».