علم المحاسبة يُعنى بإدارة الشؤون المالية وحساباتها، وفيه أدوات تتبّع المداخيل التي تشحّ في حال معظمنا والمصاريف التي تبدو لامتناهية. وإن كانت حسابات معظمنا لا تتطلّب أكثر من أصابع اليدين للتتبّع، هناك أدوات معقّدة للمحاسبة على المستوى المؤسّساتي والحكومي حيث تتداخل الصّلاحيات والمسؤوليات ولا بد من منظومة محاسبة تناسب حجم التداخلات من أجل حساباتٍ صافية وذمم مبرّأة.

في الأديان السماوية للحساب يومه ولا تدخل المحاسبة هناك معادلات الرياضيّات المعقّدة بل يغلب عليها منطق الأبيض والأسود، فعدّاد خطاياك إمّا يؤهّلك لنعيمٍ أبدي أو يكون مصيرك بئسه، فلا بَين بَين إلاّ الليمبو الذي يفترض أن يكون مؤقّت إلى حين تقرير المصير. لكن في سياسة الحياة الدنيا لا مجال إلا للمقايضة والبَين بَين، فالمقايضة هي أصل المحاسبة العادلة التي يرتضيها طرفا المعادلة. لكن بما أننا نعيش وَهْمَ ثورةٍ خالية من السياسة، يكثر المؤمنون بمحاسبة عادلة تُسقط من السماء مشانقَ تلتف على أعناق الأشرار. فهناك من يصلّي لـ«ريتز كارلتون» لبناني، وآخرون يعقدون الأمل على «الهمروجيّة القويّة» دوروثي شيا وكتلة عملائها الصاغين الطائعين. الهمرجة في اللغة العربية تعني اللغط والالتباس، ولا بأس أن يلتبس الأمر على المرء مرّة، لكن كيف تشرح انسياق البعض في نفس «الهمروجة» كل مرّة وتوقّع نتائج مختلفة؟ يمكننا أن نسأل الرفاق هذا السؤال عندما تحدّد قنوات الهمرجة الموعد القادم الحتمي والذي لا لبس فيه لثورة المحاسبة والتغيير.
حساب جريمة المرفأ اليوم هو عند مطرقة قاضٍ علت لوحاتٌ إعلانية رديئة الصياغة ومشبوهة التمويل على الطرقات لتبايعه مقابل مدّعى عليهم رأوا في اللوحات الإعلانية الرديئة والمشبوهة أيضاً الطريق الأنسب للدفاع عن أنفسهم. وحساب المرفأ هو من أفظع الحسابات المفتوحة في لبنان اليوم نظراً للأرواح البريئة التي زهقت والفاجعة الجماعية التي أصابت سكان بيروت، لكنه أيضاً أجددها، ولذلك قد يطول قدوم موعد استحقاق الحساب، إن أتى أصلاً. ذلك ليس تثبيطاً لعزائم إسقاط الحصانات تمهيداً للمحاسبة، بل للفصل بين الدعاء والدعوى. فالأول صلاة وأمل وحلم، بينما الثانية إجراء قانوني بحت ضمن آليات محاسبة قائمة. وهناك اليوم من يبيعك الدعاء على أنّه دعوى قضائية وكأن المشكلة الموجودة في آليات الحكم بسلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية (من دون أن ندخل بمصائب الرابعة من السلطات) هي مجرّد مشكلة تقنية أو جهل بأصول الحوكمة والدّمقرطة وتُحلّ بورشة عمل تدريبية أو حملة توعية. بالمناسبة، أين أصبحت الإنتخابات النيابية الفرعية لملء الشغور في السلطة التشريعية؟ وأين السلطة التنفيذية أصلاً؟ لو مشكلة لبنان هي تقنية بحت لما حصل أصلاً الانفجار الذي دمّر ما تبقّى من منظومةٍ متهالكة. لكن تاجر الوهم لا يختلف كثيراً عن بائع الوهن المنبطح الذي يجوب مستجدياً عقوباتٍ لا سيطرة له عليها من اتحاد بروكسل أو كونغرس واشنطن، كأنّ الحل هو في العودة مئة سنة (مئة سنة وسنة لنكون دقيقين في الحسابات) إلى الوراء.

تاجر الوهم لا يختلف كثيراً عن بائع الوهن المنبطح الذي يجوب مستجدياً عقوبات لا سيطرة له عليها


إذا وسّعنا البيكار أبعد من المرفأ واحتسبنا دائرة الحسابات المفتوحة في هذا البلد نجد أن حسابات المصرف ما زالت تنتظر مدقّق حسابات ليتحقّق في ما هو إلزامي في الاحتياطيّ وما هو لزوم ما لا يلزم اعتباطيّ لا يتعدّى كونه رمزاً على شاشة حاسوب رياض سلامة. هنا المحاسب قد يرتدي بدلة «ألفاريز ومرسال» أو أي بدلة أخرى ويتسلّح بشهادة من جامعة عالمية كبرى و«calculatrice Hello Kitty» أو ما شابه لاحتساب الأرقام الضائعة وتثبيتها في دفاتر المصرف. أمّا بالنسبة للحساب الحقيقي فذلك يحتاج إلى عملية محاسبة نوعية تبعث الروح في الآملين بحساب منتظر. ليلة الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 المعروفة بـ«ليلة المصارف» هي مثال على ذلك، وهي أوصلت الحكومة السابقة إلى السلطة التنفيذية قبل أن يفجّرها حزب المصرف من داخلها قبل آب المشؤوم بأشهر. من نَسَفَها أَفلتَ من الحساب وزَها بإنجازه إسقاط «الهيركات» حفاظاً على الأرقام الوهمية التي باعهم إيّاها مهندس البونزي، ومؤخِّراً بذلك بدء عملية التعافي ومعمّقاً قعر الأزمة. رغم ذلك، لا الحزب الأقوى حاسب «الأخ الأكبر» على فعلته واستحال على التيار القوي التبرّؤ من عَمْلة رئيس لجنة المال والموازنة النيابية التي حرقت دين العُملة الوطنية. وها هو الحاكم الأعلى للدفاع عن المصرفيين المُفلسين يفرّط بما تبقّى من القدرة على البقاء لدى الشعب بقطع الأوكسيجين في «نص دين آب» بغطاءٍ وتواطؤٍ (أو عجزٍ وتسليمٍ، والحالتان كلتاهما كارثيّتان) من أعلى المستويات في الجمهورية.
فما العمل إذاً بما أنّ المحاسبة لن تكون على يد أصل البلاء المنتدبين من بلاد الاستعمار ولا عملائهم ولا على أيدي مجرمي الحرب وناهبي السلم الذين نتشوا لحمنا حتى العظم؟ العنف اليومي الذي يمارس من قبل الجشعين الذين لا زالوا يتمسكون بمقوّمات الحياة في هذا البلد يسوء، وللصبر والبصيرة حدود، رغم إدراك الجزء الواعي من الشعب أن الحرب الأهلية أسوأ بأشواط مما نعيشه ويجب تفاديها بأي شكل من الأشكال. لكن العنف لا يواجه بإدارة الخد الأيسر. لا بد من أذيّة من يمارس العنف اليومي المتزايد على الشعب، وذلك لا يكون بالتوجه شرقاً (وإن كان التوّجه شرقاً لا بد منه) بل بالتوجه يساراً (ويا ليته يكون غوغائياً).
الفرصة متاحة اليوم وهنا العملية الحسابية بسيطة. إمّا الانحياز مجدّداً لمن اغتنى ويغتني على ظهر الشعب (والشعوب) وإما الوقوف مع من أُفقر ويُفقر لحساب الأولين. فيا معنَّفي المنظومة اتحدوا ووجّهوا غضبكم نحو المحتكرين والمرابين، فنظامهم مهزوز والبديل لن يأتي قبل الإطباق عليهم، فمن احتكر الغرب يوماً قد يحتكر الشرق غداً. وكما كانت هناك هندسات حسابية لخلق ودائع كاذبة، يمكن لشطبة قلم أن تلغي المال الوهمي من التداول وتعيد المال الحقيقي لغالبية المودعين الذين لا يحتسبون ضمن المحتكرين والمرابين. لن ندخل في الأرقام التفصيلية التي تتيح ذلك، فهي قد نشرت مراراً. والأمر مجدّداً ليس مسألة عدم وجود الحلول التقنية بل هو في غياب المحاسب القادر أو الناوي على فرض محاسبة المنظومة.
أخيراً، هناك من يرى أن الخلاص هو في الاحتساب القادم لأصوات صناديق الاقتراع حيث البهلوانيات الحسابية تفوق هندسات سلامة إجحافاً، وتلك هي الهمروجة الكبرى التي ستطغى على الخطاب العام في الأشهر المقبلة. لكلٍّ حساباتهم اليوم. ولكن في الذكرى الخامسة عشر لانتصار تمّوز ما أكثر «الحسابات الخاطئة». إمّا أن يدرك من يملك نفوذاً أو يسعى له أنه على الحسابات اليوم أن تراعي مصلحة الشعب والمصلحة الوطنية وأنه لا مقايضة لإنجازات جيل مقابل مكاسب آنية لمنظومة متهالكة، أو سوف ينتظرهم ما هو ليس في الحسبان.