هذه المرة، الحديث عن مسؤولية رياض سلامة وحده لا تُقنع أحداً. نعرفه: سارق وجاسوس ومدمّر للاقتصاد ومزوّر. نعرف قَدْرَه وصفاته. لكنه ليس قدَراً، ولا هو أقوى من النظام. هو «الرئيس التنفيذي» لعملية توزيع الثروة، وضمان سرقتها من جيوب عموم الناس، ومن فم أطفال الفقراء، لكنزها في حسابات أصحاب الثروات، برعاية أميركية وغربية وخليجية. لكنه ليس أقوى من النظام. هو أحد الأكثر قوة في النظام. لكنه ليس صاحب قوة لا تُقهَر، والتخلص منه ليس أمراً مستحيلاً. اجتماع المجلس الأعلى للدفاع أمس، وحتى يثبت العكس، هو «نسخة مزيدة ومنقّحة» عن الاجتماع الرئاسي الذي عُقِد في بعبدا يوم 12 حزيران 2020 (الذي خرج بعده رئيس مجلس النواب، نبيه بري، ليبشّر بأن سعر الدولار سيتراجع إلى ما دون الـ4 آلاف ليرة). فذلك الاجتماع شكّل المظلّة التي عملت تحتها لجنة إبراهيم كنعان - ياسين جابر - نقولا نحاس لتدمير خطة حكومة الرئيس حسان دياب للإنقاذ المالي (المفارقة أن دياب نفسه شارك في الاجتماع حينذاك). وجلسة «الأعلى للدفاع» أمس هي المظلة التي استغلها رياض سلامة لاتخاذ قرار وقف دعم المحروقات. قرار يرقى إلى مستوى الجريمة الكاملة الأوصاف بحق سكان لبنان. وعلى المجلس الأعلى للدفاع، وتحديداً رئيسه، أي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، التبرؤ من هذه الجريمة، فعلاً لا قولاً. فبخلاف ذلك، كل الساكتين عن الجريمة شركاء فيها.

النائب جبران باسيل علّق على قرار سلامة، عبر «تويتر»، بالقول: «لمّا اقتربت البطاقة التمويلية من الإنجاز، والحكومة من التشكيل، قرّر الحاكم أن يفجّر البلد بغطاء ممّن لا يريدون الحكومة! سلامة هو حاكم المركزي وليس حاكم البلد لكي يقرّر وحيداً رفع الدعم فجأة! على الرئيس والحكومة والشعب أن يمنعوا تنفيذ المؤامرة. إنّها جريمة موصوفة ويجب إيقاف مرتكبيها». أكثر من أي وقت مضى، كلام باسيل على المحك، ليس بصفته نائباً ورئيس تكتل، بل لأنه رئيس حزب العهد. وما يسري على باسيل يسري أيضاً على سواه. واليوم هو يوم الامتحان: إما أن تعلن رئاسة الجمهورية موقفاً واضحاً، وتبدأ مشاورات مع القوى السياسية وتجمع المجلس الأعلى للدفاع لاتخاذ تدابير فورية تؤدي إلى إجبار سلامة على التراجع عن قراره، وإما أنها حقاً منحت الحاكم الغطاء لتنفيذ الجريمة.
لا يمكن قراءة ما جرى سوى بأن الحاكم نفّذ ما يريده وشركاؤه، وأن على القوى السياسية أن تدافع عن مصالح الناس لكي يصدّقوها... وإلا فهي شريكة في الجريمة. جريمة قتل بلاد تهتز منذ سنتين على وقع ضربات يوجهها لها رياض سلامة ورعاته وحُماته وشركاه من سياسيين ومصرفيين ورجال دين ودول عظمى (على رأسها الولايات المتحدة الأميركية)... من دون أن يواجهَه أحد. ويوم أمس، وصل إلى ذروة جرائمه بحق عموم السكان، وتحديداً الأكثر ضعفاً وفقراً. ومن غير المسموح لأي فريق سياسي أن يتعامل مع ما جرى على القاعدة التي أرساها سلامة نفسه، والقائلة بأن «الناس بيتعوّدوا... بكرا بيتعوّدوا». من يُرد غسل يديه من دم الفقراء، فعليه أن يدافع عنهم. وأول الدفاع عنهم الإطاحة برياض سلامة، وسجنه ومحاكمته، وهذا أمر ممكن. المطلوب جمع المجلس الأعلى للدفاع لملاحقة المحتكرين ومصادرة ما يحتكرونه، والإيعاز إلى النائب العام التمييزي بتعيين حارس قضائي على مصرف لبنان والادعاء على سلامة بكل الجرائم التي ارتكبها، وبدء تنفيذ خطة جدية للخروج من الأزمة. هي مسؤولية السلطة مجتمعة. على الجميع أن يُثبتوا براءتهم من الجريمة. هذه المرة، لا أحد «بريء حتى تثبت إدانته». الجميع مدانون. ومن يُرد البراءة فعليه بذل الكثير من الجهد للفوز بها.