لم تعد حرائق الغابات أمراً هامشياً بين مواضيع أكثر أهمية، بل قضية ذات تبعات خطرة على الحياة وديمومتها. وتكمن خطورة هذه الظاهرة (العالمية) أنها مرجّحة للتفاقم سنة بعد أخرى لارتباطها المباشر بقضية تغيّر المناخ وزيادة حرارة الأرض، وهو ارتباط يغذّي بعضه بعضاً بشكل تصاعدي. إذ أن تغير المناخ وزيادة حرارة الأرض يتسبّبان بمزيد من الجفاف والحرائق، وزيادة الحرائق تتسبب في زيادة الانبعاثات وتراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي ما يؤدي إلى تغيّر المناخ ويزيد حرارة الأرض. هكذا أصبحنا في دائرة جهنمية لا يمكن الفكاك منها. وهذا يعني أن تقديرات التقارير الدولية الأخيرة (ولا سيّما التقرير الدولي السادس الصادر أول من أمس عن الهيئة الدولية المعنية بتغيّر المناخ بعد سبع سنوات على التقرير الخامس عام 2013) حول إمكان ارتفاع حرائق الغابات خمسة أضعاف بحلول عام ٢٠٤٠، سيتم تخطيها نحو سيناريوهات أكثر تشاؤماً، خصوصاً أن هذه التقارير نفسها لفتت إلى زيادة الانبعاثات بنسبة تزيد على ٢% سنويا بدل أن تتراجع بنسبة ٦% سنوياً كما كان مطلوباً. أضف إلى ذلك أن زيادة تعرّض الغابات والأحراج نفسها لأكثر من حريق، تؤدي إلى تغيّرات خطيرة في الأنظمة الإيكولوجية وتهدد حياة الأنواع والتنوّع البيولوجي فيها، كما تتسبب زيادة الحرائق في قلب معادلات تاريخية إلى غير رجعة، فتصبح الغابات بعد احتراقها مصدراً إضافياً لإنتاج انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وغاز الميتان الأكثر خطورة، بدل أن تكون بالوعاً يساهم في امتصاص هذه الغازات والتخفيف من الاحتباس الحراري!

لم يعد التقسيم التقليدي بين الحرائق المفتعلة وغير المفتعلة كافياً للتوصيف. التقسيم الأكثر واقعية بات الآن بين حرائق لأسباب «إنسانية» (تتسبّب بها أفعال الإنسان) وأخرى طبيعية (كالبرق والبراكين). وقد زادت نسبة الحرائق لأسباب «إنسانية» بما يتجاوز الـ٩٧٪ من الحرائق حول العالم، سواء بسبب تغيّر المناخ الذي يُعدّ من صنع الإنسان، أو جراء الحرائق المفتعلة من أجل تحويل اتجاهات الاستخدام كالبناء أو التنقيب عن الغاز والنفط والمعادن أو محو الحدود بين الأراضي، أو مجرد الانتقام والتخريب، وكل ما يُصنف إهمالاً تتحمّل مسؤوليته الحكومات والسلطات المحلية والأفراد.
كما يمكن اعتبار زيادة الحرائق دليلاً على فشل الدول التي لم تغيّر استراتيجياتها بعد، ولا سيما تلك المتعلقة بتغيّر المناخ. هذه الاستراتيجيات تشمل قطاعات ووزارات عدة كان يفترض أن تضع مبادئ محددة وخططاً حمائية ملزمة تفرض تنفيذها. وأهم الإدارات المعنية بإدارة الغابات - والحرائق ضمنها - هي وزارة البيئة، المعنية الأولى بالحياة البرية وحماية التنوع البيولوجي وتنفيذ الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. إذ يفترض أن تضع مسودات الاستراتيجية الشاملة التي تدمج بين استخدامات الغابة وموجبات حمايتها، والدمج بين اكبر اتفاقيتين عالميتين متداخلتين صادقت عليهما قمة الأرض عام ١٩٩٢، هما اتفاقية حماية التنوع البيولوجي والاتفاقية الإطارية لتغير المناخ. ورغم أن لبنان احترق في الأيام الأخيرة، لم يُسمع لوزارة البيئة أي صوت أو توجيه أو تبرير، ولا سيما من وزيرها ومديرها العام، وكأنهما استقالا من مهامّهما، أو تفرغا كلياً لتبرير تمديد عمل شركات الترابة التي تُعد بين المساهمين الرئيسيين في تدمير الغابات والتنوع البيولوجي فيها!
الإدارة الثانية المعنية بهذه الاستراتيجية هي وزارة الزراعة التي كان يفترض بها تقوية أجهزة التوعية والإرشاد فيها، خصوصاً أن أعمال الزراعة - تاريخياً - كانت بمعظمها في قلب الغابات، وأن بعض عادات إحراق ما يتبقّى من المحاصيل أو من التشحيلات هو من بين أسباب تمدد الحرائق في الغابات والأحراج قبل أن تخرج عن السيطرة. علماً أن مأموري الأحراج الذين يفترض بهم مراقبة الغابات تابعون لهذه الوزارة التي تدير إنتاج المشاتل وحملات إعادة التشجير بالتنافس - بدل التعاون - مع وزارة البيئة، ومن دون أي تخطيط أو تنسيق أو متابعة.
وزارة العدل معنية أيضاً كونها مسؤولة عن الإسراع في إقفال التحقيقات وعدم تتبع مفتعلي الحرائق وتوقيفهم، وكذلك وزارة الداخلية المسؤولة عن متابعة التحقيقات وعدم إقفالها قبل معرفة هوية المفتعلين والمتسبّبين بهذه الجرائم البيئية. مع ضرورة إعادة النظر بدور الدفاع المدني الذي، حسب تسميته ونشأته، كان يهتم تاريخياً بحرائق المدن والأبنية وليس بالغابات التي تتطلب معدات مختلفة وجهازاً بشرياً رشيقاً مدرّباً ومجهزاً للتدخل، ولا سيما في الأماكن الوعرة.
صحيح أن محاولات عدة، حكومية وأهلية، حرّكت في أكثر من محطة ملف ضرورة وضع استراتيجية وخطط لمقاربة هذه المسألة، لكنها كانت بمعظمها بإدارة هواة في الوزارات المعنية وخارجها، ورهينة مصادر تمويل خارجية وداخلية وأجنداتها. وهذا ما يفسر صرف أكثر من ٢٥ مليون دولار في فترة محددة على تمويل مشاريع جمعيات صغيرة (بالنسبة إلى حجم مشاريع الدولة المفترضة)، أُنفق معظمها على صفقة شراء طائرات إطفاء، لم تكن ضرورية لو تم تطبيق أبسط مبادئ التدخل السريع لإطفاء الحرائق في بدايتها.
قد يقال إن الدولة في لبنان فشلت في التجهيز والتدريب والتوظيف والحماية عندما كانت دولة، فكيف ستكون الحال بعد انهيارها تماماً؟ وبالتالي هل نحن متجهون نحو أن نصبح «أرضاً محروقة»؟
قد لا يكون هذا التوقّع مبالغاً فيه. لكن، يمكن دائماً المراهنة على عودة الإنسان إلى الطبيعة والناس إلى قراهم في الأزمات الكبرى، كون العيش في القرى أقل كلفة، مع المراهنة أيضاً على أن العودة إلى الطبيعة للعيش منها بشكل رئيسي، يُفترض أن تترافق مع حماية مواردها كقاعدة غريزية للعيش لا يمكن تجاوزها.
أما في ما يتعلق بكيفية التعامل مع الأرض المحروقة، فهو أمر بالغ الأهمية، لم يتم لحظه بعمق في الاستراتيجيات والدراسات السابقة. إلا أن أفضل الحلول التي تتماشى الآن مع حال الانهيار الشامل، هو ترك هذه الأراضي من دون تدخل، وحمايتها فقط للحؤول دون تكرار الحرائق فيها وتركها تعيد تجديد نفسها بنفسها، مع العلم أن هناك خسائر لا تُعوض ترافق كلّ حريق.