لا أسوأ ولا أشنع من رجالات (ونساء) المنظومة الحاكمة، إلا «بدائلهم». فهؤلاء الذين اتصلوا، بشكل أو بآخر، بمفاصلها ونالهم ما نالهم من فتات أسلابها يسعون، اليوم، وبعدما اشتد عودهم (؟!)، إلى «الانقلاب» على من كانوا السبب المباشر، أو غير المباشر، في خروجهم إلى الضوء. وكيف لا يفعلون، وقد بات لهم ما «لسابقيهم» من مراجع خارجية، أمنية بالدرجة الأولى، تأمر فتُطاع! ثم أن أدوار الظل والتبعية التي تمرّسوا فيها لم تعد ترضي نهمهم المتنامي إلى الحضور وتصدّر الصورة. «إنها لحظتنا، فلنقفز» يقول أوقحهم. وهم في سعيهم «المحق»، بحسبهم، لا ينطلقون من فراغ. فلهم في ذلك أمثلة كثيرة تعزّز حجّتهم: الموظف النموذجي الذي لم يسمع به أحد خارج الحاشية الحريرية، فؤاد عبد الباسط السنيورة، والذي كاد يدخل السجن لولا الضغوط والمداخلات السياسية والطائفية، قفز، في «غفلة» عن الجميع من موقع «الخادم الأمين» إلى موقع الرئاسة الثالثة... أي أنه بدلاً من أن يعاقب كوفئ بأن أُدخل «نعيم» السلطة. وكذا كان الحال مع غيره من الموظفين الذين صاروا مع كارثة الحريرية السياسية التي حلّت بالبلد، والمسؤولة عن معظم ما يعانيه اليوم، سياسيين وإعلاميين وكتبة وفنانين ورجال دين ومال وأعمال... وهم بأغلبهم من الذين أحسنوا الاستزلام وبرعوا فيه فتوصلوا إلى امتلاك الحلم ومن ثم شغل مناصب ما كانوا يتجرأون على التفكير بها.

لا أبشع ولا أرخص من هؤلاء القابضين على أنفاس الناس ومصائرهم، تنفيذياً وتشريعياً وقضائياً وإعلامياً... إلا بدائلهم. فهذه البدائل التي احترفت التملق وصنع الأكاذيب وارتهنت لكل قادر على الدفع أو الأمرة تكاد تكون صورة طبق الأصل عن رجالات المنظومة التي أوقعت بالبلد وناسه، وما يزيد في سوئها أن لديها فائضاً من الأميّة السياسية والفقر الأخلاقي والعوز الوطني وهو ما تنضح به منشوراتهم ناهيك باستعدادهم المعلن وغير المشروط لتجديد الارتهان للخارج المعادي وتقويته بأكثر مما هو قوي!
وهنا، ومن دون أدنى مبالغة، يمكن القول إن هذه البدائل الرثّة والعقيمة التي ابتلي بها اللبنانيون، هي في رأس الأسباب التي تحول دون سقوط المنظومة أو أقله انكشاف وجوه رجالاتها الفعليين اللائذين بالقصور. فرجالات السلطة الفعليين هم غير هؤلاء المهرّجين الذين لا يغيبون عن شاشات العائلات «الثورية» للدفاع عن رياض سلامة ورعاته الداخليين والخارجيين. وهم، أي البدائل، في الواقع، يشكلون الامتداد الفعلي والتجديدي للأدوات النيابية والوزارية التي صدأ أكثرها وصار لزاماً على صانعها الخارجي استبدالها بـ «الجديد» الذي طال انتظاره ويوشك أن يفقد صبره قبل القفز إلى حيث يُشار إليه أو يُطلب منه. وهم، بالمناسبة، كثر، بل وأكثر من أن يعدوا.
البدائل التي أطلت برأسها مع غضبة تشرين واستثمرت فيها، قبل أن تتوفر لها كارثة انفجار المرفأ كفرصة مثالية لحصد «الشرعية» ومعها الأموال النقدية والمساعدات العينية بعيداً عن أي رقابة رسمية او شعبية... ها هي، اليوم، تتهيأ اليوم للتسلل مع نجيب ميقاتي الذي يفخر بتقديم نفسه كبديل لا منافس له. خصوصاً وأنه أحد الذين ساهموا في شق هذا الطريق «الوعر» يوم انقلب كالآخرين على راعيهم «السوري».
البدائل التي أتقنت الاستثمار في «الثورة» بدليل تشويهها ومن ثم إجهاضها، ومحاصرة نتائجها المتواضعة التي كادت تفضي إلى فرض التدقيق الجنائي، تواصل، اليوم، وبصفاقة وانعدام أخلاق، الغرف من كارثة المرفأ، والاستثمار في دماء الضحايا ودموعهم. واليوم، ومع تهيؤها للتسلل إلى الحكومة واحتلال معظم مقاعدها تعيش نار انتظار حلول الذكرى السنوية الأولى على الكارثة بترقب كبير واستعداد أكبر لمضاعفة الاستثمار بأمل تحويل التسلل إلى اقتحام حكومي يمهد لآخر نيابي!
هل يملك هؤلاء الذين تعلموا جيداً، فدرسوا في أغلى الجامعات، وتغذواً جيداً وأكلوا أفخر الطعام، ويعيشون جيداً بفضل العوائد المكفولة بالأسلاب القديمة والجديدة، غير الاستثمار في الكوارث؟ وهل هناك، بالنسبة إليهم، ما هو أنجع من الاستثمار في الدم والدموع؟ الجواب هو حتماً لا. إنهم الأبناء والأحفاد الذين تعلموا من الاستثمار / الدرس الذي وفرته دماء رفيق الحريري، والذي أتاح لحفنة من المارقين وشهود الزور قلب البلد والإمساك بمفاصله والسيطرة على مقدراته. ولعلهم اليوم، وعشية ذكرى كارثة الرابع من آب، لم يتعلموا من دروس الاتجار في تلك الجريمة، ولم يتوقفوا عند ما انتهت إليه بدليل أن هناك اليوم من يبني على كارثة الرابع من آب لاستعادة أمجاد بائدة، غافلاً عن حجم ونوع التغيرات، فضلاً عن واقع أن الأصل الذي يحاولون محاكاته لم يعد بالمسلسل الملهم خصوصاً بعد اتضاح الحقيقة وانكشاف التضليل وغياب التشويق وانفضاض المشاهدين.
البدلاء في عجلة من أمرهم. وعجلتهم من عجلة مشغليهم الذين يريدون للبلد أن يخضع وأن يرفع الراية البيضاء. لذا تراهم يستعجلون الرابع من آب ويسابقون الوقت لمضاعفة الأرباح، تأكيداً لنهجهم الذي لا يتغير في الاستثمار الدائم في الكوارث أو صنعها وقد ثبت، وبالملموس، أنهم لا يجيدون غير تكرار الفشل، الفشل الذي يعود ويرتد على البلد وحده أما هم فجاهزون، كما العادة، للكفر بالبلد والناس والمغادرة مع أول طائرة أو مركب حاملين معهم الغنائم والأرباح المسروقة...