لا يعوّل كثير من الأوساط السياسية اللبنانية على قدرة وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان على تحقيق أيّ خرق في المشهد الحكومي. المفارقة أن مصادر فرنسية معنية ومطّلعة على ما يرافق الزيارة، لا ترى فيها، أيضاً، سوى «محاولة أخيرة» تقوم بها باريس لإيجاد حل للأزمة اللبنانية العالقة، من دون توقّع أي مستجدّات تبدّل من حال الجمود الحالية. صحيح أن باريس تعبّر، من خلال رفع مستوى اهتمامها عبر إيفاد جان إيف لودريان تحديداً وليس موفدين رئاسيين ودبلوماسيين كما حصل في الأشهر الأخيرة، إلا أن الرهان يجب ألا يكون كبيراً، وفق عدد من المعطيات والعوامل التي تحيط بالزيارة الفرنسية.

أولاً، أهم ما في التحرك الفرنسي أن من يقوم به هو لودريان نفسه، المستاء من السياسيين اللبنانيين والذي لم يكن يوماً مجاملاً في إطلاق توصيفات في حقهم، منذ ما قبل إطلاق المبادرة الفرنسية التي أعقبت انفجار الرابع من آب. وهو نفسه، بعدما اضطر لترك الساحة اللبنانية لدبلوماسيي الإليزيه وبيروت الذين أفرغوا المبادرة من مضمونها، يدرك أن هناك عقبات كثيرة تحول دون تحقيق خرق حكومي على المستوى الذي تأمله باريس لإطلاق عجلة المؤتمرات الدولية لمساعدة لبنان اقتصادياً. والمطلعون الفرنسيون يعتبرون، وفق ذلك، أن موقف لودريان الشخصي والحاسم برفضه لأداء المسؤولين اللبنانيين، لا يغيّر في واقع أن التحرك الفرنسي يأتي متأخراً ومتعثراً، بعدما كثرت التدخلات والشروط والشروط المضادة، وأن ما بدأت به باريس بعد انفجار المرفأ تغير مرات عدة على طريق الحوارات الثنائية والموفدين الفرنسيين وأداء المسؤولين اللبنانيين أنفسهم. حتى أنه لم يعد معروفاً أين تبدأ المبادرة وأين تنتهي، وحول ماذا تنطلق الاندفاعة الفرنسية الجديدة. فالتحرك، في الشكل، آخر المحاولات الجدية لإيصال رسائل مباشرة إلى بيروت، رغم شبه اقتناع بأن «الحصيلة لن تكون إيجابية وأنه لعب في الوقت الضائع». لا سيما أن فشل تحقيق مكسب من فرض الملف اللبناني على طاولة الاتحاد الأوروربي، تتحمل نتائجه فرنسا أيضاً، بعدما بالغت دوائرها، ومنها في لبنان، في الترويج للاجتماع الأوروبي وكأنه الحد الفاصل بين مرحلتين حاسمتين. وهي اليوم، أيضاً، تبالغ في الترويج لتداعيات التدابير الفرنسية أوروبياً أيضاً. علماً أن لودريان نفسه، الذي يدخل بكل خبرته، يضع على المحك ثقله السياسي، لأنه سيتحمّل تبعات الفشل هذه المرة، إذا لم تقترن تبليغاته بالترجمة العملية الفعّالة والحاسمة، رغم أن هناك تساؤلات حول التدرج من التهويل بعقوبات إلى منع سفر وإجراءات قد تطال الصفَّين الأول والثاني، إضافة إلى اللغط حول حملة الجنسية الفرنسية. وهو بدأ يفقد سلفاً المغزى منه بعد طول تهويل فيه. فعقوبات باريس تختلف عن عقوبات واشنطن، وباريس مضطرة إلى أن تفكر مليّاً في إجراءات، إن لم تساوِ بها بين كل القوى السياسية فهذا يعني أنها ستكون تحت ضغط «الخوف» من أي ردود فعل مواجهة لها. إضافة إلى أن إحاطتها بالمؤتمرات الاقتصادية والمالية ستكون أيضاً تحت مجهر المعاينة الدقيقة لأيّ إجراءات وهوية الذين ستطالهم. وقد بدأت مسبقاً ردود الفعل السياسية المنتقدة، سواء لبرنامج لودريان أو الإحاطة الفرنسية الرئاسية تارة لحزب الله وتارة للرئيس المكلّف.

أي تنسيق فرنسي - روسي هو تنسيق على مستوى الصف الثاني من الدول المؤثرة


ثانياً، لم يعُد الملف اللبناني أولوية في باريس، بقدر ما يكثر الحديث في بيروت عن الدور الفرنسي في إيجاد حل للأزمة اللبنانية. ما يشغل بال اللبنانيين من اهتمام فرنسي تعطى له توصيفات متعددة وتحليلات حول مستوى العقوبات ونوعيتها والمستهدفين بها، لا يشغل بال الفرنسيين، بأكثر من محاولة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تحقيق خرق دبلوماسي خارجي، وسط التخبط الداخلي. خصوصاً بعد مشهد باريس في الأيام الأخيرة، من بدء معركة الرئاسة واستعداد ماكرون لها، إلى موقف الجنرالات والعسكريين الذين وقعوا بياناً حول تفكّك فرنسا، وقانون الإرهاب الجديد والمناظرات والنقاشات التي لا تنتهي حول ما بدأ يُستخدم من مصطلحات «الحروب الفرنسية الداخلية». من هنا، فإن الرهان الفرنسي على تحقيق خرق في الدبلوماسية الخارجية يتم لأسباب داخلية محض، قد لا يكون هو نفسه لدى المسؤولين اللبنانيين المعنيين بتشكيل الحكومة.
ثالثاً، لا يتم التحرك الفرنسي المتجدد بتنسيق مع الرياض ولم يحُز رضاها. لا تزال الرياض على موقفها غير المبالي بالتشكيل الحكومي، لا بل إن كلام دبلوماسييها بات مكشوفاً في تناول الرئيس المكلف سعد الحريري من دون قفازات. والسعودية لا ترغب في إعطاء أي فرصة للتحرك الفرنسي، وهي كانت واضحة في إبلاغ موقفها المتراوح بين التجاهل التام للتحرك الفرنسي، وبين النصيحة بأن أي نتيجة لن تسفر عنه. والكلام عن أي حوار سعودي في المنطقة مع إيران أو غيرها، لا علاقة له بلبنان لا من قريب ولا بعيد، كما أن لا صلة له بموقف السعودية تحديداً من الحريري وعدم مباركتها لعودته إلى رئاسة الحكومة. وتبعاً لذلك يمكن التكهّن سلفاً بمستقبل التحرك الفرنسي إذا كان أحد الأطراف الرئيسية في أي تسوية، مصرّاً على عدم التدخل، لا بل إظهار عدم الرضى عن أيّ تحرك خارج التنسيق معه.
رابعاً، أما من جهة واشنطن فإن التحرك الفرنسي لا يتم أيضاً بالتنسيق معها، ولو أن زيارة لودريان تتزامن مع انطلاق التفاوض مجدّداً بين لبنان وإسرائيل، برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة. فلواشنطن اهتمامات مختلفة تماماً عن باريس. ما يعني واشنطن هو انطلاق التفاوض، على الأقل من أجل الإبقاء على العملية في حدّ ذاتها قائمة، في انتظار بلورة الأوضاع والحوارات الدائرة في المنطقة. فبعد موقفها الرافض لتوقيع المرسوم حول الحدود البحرية، الذي أبلغت المعنيين في لبنان رسمياً رفضها له، باتت عملية انطلاق التفاوض واجبة من باب الضرورة لإبقاء فكرة التفاوض حيّة، من دون توقّعات كبيرة بتحقيق تقدّم سريع.
خامساً، تكثر الإشارات عن تنسيق فرنسي - روسي في شأن إطلاق عجلة التفاوض الحكومي، خصوصاً أن روسيا فتحت أبوابها لقوى سياسية لبنانية أخيراً. لكن أيّ تنسيق فرنسي - روسي يعني حتى الآن أنه تنسيق على مستوى الصف الثاني من الدول المؤثرة في صياغة قرارات تتعلق بتسوية حكومية وما وراءها، من ترتيب لإنقاذ لبنان من أزمة اقتصادية وسياسية. فالقرار اليوم ليس في باريس أو موسكو. إنما في مكان آخر، مع صنّاع قرار من نوع آخر.





اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا