اللازمة المفضّلة عند سياسيي ومسؤولي «14 آذار» هي: رفض التخوين. لا يتحدث واحد منهم إلاّ ويبدو مستهجناً لهذه التهمة، داعياً إلى إسقاطها، مصرّاً على سحبها من التداول. تثير لديهم حساسية مفرطة.

وإذا جاز لنا التمييز بين النبرات المتباينة في «رفض التخوين» تبيّن لنا أن «الآذاري» الحالي ترتفع لهجته بقدر ما كان صادراً عن ماضٍ قومي أو يساري. يتصرف، الآن، كأنه أدّى قسطه للعُلا في حياة سابقة، وأنه تدرّج من مهاوي القلب إلى حكمة العقل، ومن الثورة إلى الدولة، ومن المراهقة (المتأخرة) إلى الشيخوخة (المبكرة)، وهو ما يوفر له رصيداً يمكنه إنفاقه بمعزل عن المساءلة.
لقد اختُرع، ضمن هذه البيئة، تعبير «فحص الدم اليومي»، في سياق التعريض بمَن يشكك في سياسات راهنة. التعريض ممنوع لأنه كناية عن وضع الشخص المعني على محك الاختبار ومطالبته بتأدية الحساب عن سلوكيات راهنة. ورفض «فحص الدم» رد يُراد منه الإيحاء أن «مَن شبّ على شيءٍ شاب عليه» وأن التناقض بين توجهات حالية وانتماءات سابقة إنما هو خداع بصري يُصاب به مَن يرفض الاعتراف بوقائع الحياة الجديدة.
هذه الوقائع لم تغيّر فئة الدم، لذا لا موجب لفحص متجدد، بل قادت إلى قدر من التكيّف، من الانحناء، من التأقلم، بحيث بقي الجوهر هو هو رغم الدلائل على العكس.
رافضو التخوين هم، في الواقع، محترفو تخوين. إلاّ أنهم في هجومهم هذا يبدون مدافعين عن النفس. فهم، في الواقع، في حالة هجينة، إذ إن ماضيهم، فيهم، لم يمت تماماً، وحاضرهم غير مستوعب كفاية من جانبهم. يتأرجحون بين حنين يشدهم إلى ثقافة معينة، وانشداد إلى مصالح وتطلعات وارتباطات والتزامات توجب خطاباً مغايراً. لذا تراهم يحوّلون واقعهم، اللحظة، إلى شهادة ضد ماضيهم، علماً بأنهم، في الوقت نفسه، يستحضرون ماضيهم من أجل التغطية على ما باتوا فيه.
لم يكن التحوّل الذي أصابهم نتاجاً لاختمار عقلي وفكري. ويمكن لمَن يعرفهم أن يتابع، لحظة بلحظة، ارتباط التبدّل الذي حلّ بهم بترقّيهم الاجتماعي والسياسي وصولاً إلى تربّعهم، الآن، على كراسي المسؤولية. ومن هنا نفهم غيرتهم المُبالغ فيها على السلطة التي يتمتعون بها. ليست هذه الغيرة دليل استئثار فحسب، بل أيضاً وسيلة للدفاع عن النفس، أي وسيلة لإعطاء قيمة لما تنازلوا عنه من روحهم ووجدانهم. لا يريدون لما خسروه أن يكون بخس الثمن. لبنانيتهم، في هذا السياق، بديل مَرَضي من عروبة سفحوها واستعاضوا منها بالنوستالجيا. وحتى ما بقي من عروبة وديعة لديهم، من عروبة بديهية، فهي قابلة للتحوير من أجل أن تكتشف أعداء جدداً تبرّر بواسطتهم واقعيتها الالتحاقية حيال السيد الكولونيالي الحاضر بقوة.
يتصرف «رافضو التخوين»، باستمرار، كمَن قُبض عليهم متلبسين بالجرم المشهود. لذا فإنهم يطالبون بأن نسمع أقوالهم، لا أن نراقب أفعالهم. يذكّرون، أحياناً، ومع حفظ النسبة والفرق، بذلك النائب الدرزي في الكنيست الإسرائيلي الذي وقف ليحيّي «دولة العدوان الغاشم»، وفي ذهنه أن «العدوان الغاشم» اسم علم، لا صفات تطلق على إسرائيل. وليس أسهل من أن نكتشف كم أن الانحراف سيكون كبيراً من ملاحظة المقدمات التمهيدية عن «الإجرام»، و«الإرهاب»، و«البطش»، إلخ... المنسوبة إلى «الكيان الصهيوني».
لا يدرك «رافضو التخوين» كم أنهم يبررون الخيانة من فرط ابتذالهم لهذه المقولة، وتسليحهم كل مَن أراد أن يخون بحجة دامغة: أستطيع أن أفعل ما أشاء لأن التهمة محرّمة!
تحضر أسماء كثيرة لهذا الصنف من اللبنانيين. إنهم من جيل واحد أو أجيال متقاربة، من بيئة واحدة، من أصول واحدة، من مسارات واحدة. يلقون مرارات الفشل على الآخرين. لا يدركون كم أن استقالاتهم المتتالية حررت مساحة كان لا بد لغيرهم أن يحتلها... وحسناً فعل. لا ليبراليتهم ليبرالية أكيدة، ولا واقعيتهم مؤصّلة. ليبراليتهم وواقعيتهم هما نتيجة وطأة الجزمة الإسرائيلية على وعينا، على وعيهم.
كان الرهان، بعد انسحاب القوات السورية، أن هذا الصنف سيشكل قوة ضاغطة لاحتضان تجربة لبنانية من نوع جديد. الفشل ذريع. لقد غادر «رافضو التخوين» أمكنتهم لسرقة دور غيرهم فكان أن احتُجزت الأمكنة.

* مقال منشور في «الأخبار»، يوم 19 أيلول 2006

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا