كشفت وقائع الأيام الأخيرة، اللاحقة على اغتيال لقمان سليم، وبوضوح أعمى الأبصار الضعيفة، عن هوية المايسترو "الخفي" الذي تولى توزيع الأدوار، و(ربما) الربط بين الجهة التي خططت ونفذت وتلك التي لاقتها بما هو أبشع منها. فالفجور السياسي والإعلامي الفوري الذي سمّم الأجواء، المسمّمة أصلاً بالفساد وإفقار الناس وتجويعهم، فضح، أول ما فضح، حقيقة هذه الأدوات وبؤس تلك الصنائع التي بات ثابتاً أنها لم ولن تتردد، كدأبها الوظيفي الذيلي، في تقيّؤ أحقاد نفوسها وسقط أفكارها وإجرامية رغباتها.

الأصوات التي سارعت إلى تعيين الهدف وكيل الاتهامات المكرورة بدت، وهي كذلك فعلاً، كامتداد شبه عضوي لبرامج الإرهاب اللامحدود المعتمدة في سفارات (مصانع) القتل الغربية. وما التطابق شبه الكامل بين تلك الأصوات ومضمون تلك البرامج التي تشكل محور عمل تلك السفارات، إلا التعبير الحي والملموس عن الوضعية الأداتية التي رسمت الإطار وحددت الهدف. فكان السعار، وكانت السفاهة والعزف على الغرائز وكان ما كان... من أنواع العهر الصافي المشحون بفائض الريوع النفطية والغازية. وهنا يلزم التذكير بأن الريوع المذكورة هي نفسها من موّل تدمير سوريا وتفتيت العراق وإحراق اليمن... ويمّول اليوم جريمة محاولة تصفية القضية الفلسطينية من خلال التطبيع الإجرامي مع إسرائيل.
فجور ما بعد الجريمة التي أودت بلقمان سليم تجاوزها بكثير. ولأنه الأصل في المشروع الأكبر، صار بالنسبة إلى الإعلام (الإعلان) المأجور هو الحدث الذي لا حدث قبله أو بعده، لا لشيء إلا لتوفير الذريعة وتكرار المحاولة البائسة إياها: التصويب على المقاومة ومحاولة النيل من نصاعة صورتها وجديّة فعلها وعدالة قضيتها ونبل مشروعها...
ربما كان من الحكمة الاستفادة ممّا في العادة (السيئة!) من أعراف وممارسات قضت بمسامحة الميت عقب موته، والسكوت عن السلبيات التي ظللت أو وسمت أفعال حياته، وصولاً، في كثير من الحالات، إلى التغاضي عن فبركة الصفات والنعوت الإيجابية التي لم يتوافر له حظ امتلاكها ولا أهتم بها يوماً، خصوصاً أن المناسبة التي أريد لها أن تكون بمثابة الفرصة الجديدة لتصفية الحسابات، إن بالأصالة أو الوكالة أو بالاثنين معاً، كانت هزيلة ولا توفر أساساً تنهض عليه، فكانت الفضيحة مضاعفة.
فاختراع البطولات وفبركة الصفات وإهراق آيات التمجيد كشفت هزال الذريعة الجديدة وتهافتها، خصوصاً مع ما تضمنته من هلوسات مجافية ليس للعقل والمنطق فحسب، بل للخيال أيضاً. هو السلوك الشائن نفسه الذي هدف هذه المرة أيضاً إلى إقامة الحرج ومنع الكلام الصريح الذي يمكن لواحدة من عباراته أن تنال مما أريد له من أسطرة إن لم تحطمه.
كان على من نطق بالسفاهات والشتائم أن يستفيد من الفرصة، وأن يدرك قبل غيره أن احترام الموت، وما يختزنه من كثافة شعورية وعمق إنساني، هو وحده الذي ألزم الآخرين الذين طالتهم الحملة الرخيصة وحملهم على إبداء التساهل، وحتى "النسيان" المؤقت لكمّ الشناعات التي سبق للميت أن ارتكبها. لكن الأكيد أن هذا التساهل، الذي أوجبته الأخلاق، يرفض السماح بنكران أو محو ما هو معروف ومتداول. أما الإصرار على التزوير المكشوف من خلال رفعه إلى مصاف القادة والمفكرين والملهمين و... المطوبين! فهذا لبوس لا يناسب مقاساته المعروفة، وخصوصاً أن أفعاله وأقواله تتناقض مع كل ما جرى اختراعه وتدبيجه، بل إنها تدل عليه وعلى ما كان يجيش في صدره ويعتمل في ذهنه. كما أن التعمية على ما هو معروف وموثق غير ممكن وغير متاح.
لا داعي للتذكير بأن مكاسب العداء للمقاومة، على تفاهتها، أكبر من أن يفوتها مرتزقة ما يسمى «المجتمع المدني». فالميزانيات المالية التي تفتح شهيتهم وتسيّل لعابهم، هي الجوهر الوحيد لكل ما نسمع عنه من برامج ومشاريع إعلامية وثقافية وإغاثية ومساواتية... ولأن الصغار يبقون صغاراً، فهم في الحقيقة والواقع هواة خيانة، ومحترفو ارتزاق. والمؤكد أن العميل ليس بخصم أو عدو، ولا يمكنه أن يكون كذلك مهما أتى من أفعال. فكما أن الواشي يبقى واشياً، فإن العميل يبقى عميلاً، وهو أكثر من يدرك ذلك، لذا تراه يتلفع بالأردية الكاذبة وينسب لنفسه أدوار الخصومة والرأي المخالف.
إن خصومة المقاومة شرف رفيع ونبيل يتعذر نيله إلا لمن كان جديراً به. أما هؤلاء الصبية الذين تحركهم السفارات، فسينتهون كما انتهى غيرهم مجرد وشاة. وهو واقع حال الميت الذي ألصقت به صفة الخصومة أو العداء. فالرجل لم يرتق، رغم كل ما بذله من بهلوانيات ثقافية وعنتريات سياسية، إلى أن يكون خصماً. عمل الرجل كمحرّض سلبي ضد كثير من الأفكار والتوجهات المستقرة. حرّض على القتل ودعا إليه واشتغل له. وهنا وجب للعاقل أن يسأل أين السياسة والثقافة والأدب... من الدعوة الصريحة إلى القتل والتحريض على الحرب، واعتبار الضحايا المحتملين "خسائر جانبية". الدقة توجب القول إن الرجل، ككثيرين من أشباهه، كان أداة صغيرة اخترعها الأعداء... ولعل المواقف المستنكرة الصادرة عن عواصم القتل في الولايات المتحدة وغيرها من دول الاستعمار الغربي خير تعبير عن حقيقة الأبوة المكلومة. أما المرثيات التي أذاعها موظفو السفارات الغربيون، فالأرجح أنها لزوم الطمأنة وتهدئة الروع، وهي دليل إضافي وكاشف على طبيعة وحقيقة هذه الأداة التي لم تتورع عن الذهاب بعيداً في تنفيذ مضمون الأجندة القذرة نفسها التي شهدنا نماذج عن مضمونها في الإقليم وفي العالم الأوسع.
في غياب المعايير الناظمة، لا يعود ممكناً التمييز بين هذا وذاك من المسائل، فيختلط الأسود بالأبيض، والحق بالباطل وتضيع الفوارق بين هذا وذاك من القضايا التي تقوم على الاختلاف أو التناقض. ولأننا في بلد مفتعل الهوية وعديم البنيان وناقص الانتماء، فإن غياب المعايير يكتسب أبعاداً تجعل منه ساحة مثالية للفوضى، وموئلاً للتردي إلى حدود مخالفة كل ما استقر عليه الاجتماع الإنساني. فيعمّ الكذب ويسود الارتزاق وتنعدم الأخلاق، وينجو العميل ويتبجّح الساقط... وهذه مجتمعة شكلت وتشكل الأرضية التي تسمح لهذا وذاك من المرتزقة بالتجرّؤ على محاولة قلب الحقائق وتحويل الخائن إلى بطل.
لم تكن المقاومة في يوم من الأيام مشروع سلطة. إنها ببساطة شديدة مشروع تحرير وعدل وكرامة وتنمية... وهي الحقيقة التي لا يمكن حجبها بالأضاليل والأكاذيب. بل إن جوهر البرنامج العام لهذه المقاومة هو تأكيد انتمائها العربي ومركزية هدف الوحدة وأولوية الصراع مع إسرائيل وما ينتج عن استمرار وجودها من انقسامات وحروب، أو تمثله من رأس حربة استعمارية وقاعدة متقدمة وخنجر سام في قلب المنطقة، فضلاً عن دور المقاومة المؤكد والواضح لجهة ملاقاة التطلع العربي الصميم الهادف إلى كسر الاستتباع والهيمنة الغربيين.
إن حزب الله، ورغم الشوائب، وأكثرها مفهوم، يمثل إحدى أرقى حالات التعبير عن مكنونات الأمة ووجدانها على صعيد الوعي والفعالية الثوريين. وهذا بذاته كفيل بتفسير الحرب المفتوحة عليه، وهي حرب شاملة من أجل ديمومة الهيمنة التي اهتزّ بعض ركائزها مع تحرير العام 2000 وتصدّع بعد انتصار العام 2006.
يبقى أن نقول إن من المهين للمقاومة الوطنية اللبنانية، ولشهدائها، ولحزبها الشيوعي، استمرار السكوت والسماح لمن افتتح العلاقة بإسرائيل واستقدم اجتياح العام ١٩٨٢، وسهّل تلويث شوارع العاصمة بيروت بالأقدام الصهيونية، ونظّم مجزرة صبرا وشاتيلا، وأشرف على توقيع اتفاقية ١٧ أيار... بادعاء إنصافهم الكاذب، فيما همّه محصور بالاستثمار والتصويب على المقاومة التي لم تفعل غير متابعة المسيرة التي افتتحتها عمليات الويمبي وصيدلية بسترس ومحطة أيوب. فأن يتولى عتاة اليمين اللبناني، وأذنابهم من ذوي الماضي اليساري الساقطين أخلاقياً والتائبين سياسياً، الإشادة بالمقاومة الوطنية وتوظيف استذكار مهدي عامل وحسين مروة وغيرهما لهو قتل ثان يوازي الأول ويضاهيه، خصوصاً أن هذا الاستخدام يتم في سياق التصويب على المقاومة التي نجحت بفضل التضحيات الممتدة في تغيير معادلات الصراع العربي الإسرائيلي بل وقلبها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا