بعد انتهاء اجتماع المجلس المركزي لمصرف لبنان يوم الخميس الماضي، تردّد أن المصرف وافق على التعاون الكامل مع شركة التدقيق الجنائي. ويوم الجمعة، أعلن مصرف لبنان، في بيان، أنه «وفقاً للاصول القانونية أرسل كتاباً الى وزير المال يؤكد فيه التزامه بكامل أحكام القانون رقم 200 تاريخ 29/12/2020 (رفع السرية المصرفية لصالح التدقيق الجنائي)، وتعاونه مع شركة «ألفاريز أند مارسال» إيجابياً بالنسبة إلى الأسئلة المطروحة من قبلها».

حتى يوم أمس لم تكن وزارة المالية قد تسلّمت كتاب مصرف لبنان، لتتبين حقيقة هذا التعاون، لكن مصادر المجلس المركزي أكدت أن القرار كان حاسماً في دعم التدقيق الجنائي وتسهيل عمل الشركة.
وللتذكير، كانت وزارة المالية توجهت إلى المصرف بكتاب يتضمن أربعة أسئلة كانت طلبت شركة «ألفاريز اند مارسال» الإجابة عنها قبل حسم موافقتها على استكمال تنفيذ العقد الموقّع معها. الأسئلة التي يشير مصرف لبنان إلى أنه سيتعاون بإيجابية بشأنها، هي:
١- هل يجيز القانون الجديد أن تطلع الشركة على حسابات المؤسسات الخاصة لدى مصرف لبنان (أصدرت هيئة التشريع والاستشارات رأياً يؤكد أن قانون تعليق السرية المصرفية يشمل هذه الحسابات).
٢- هل تقدم مصرف لبنان، ربطاً بصدور قانون تعليق قانون السرية المصرفية، بأي معلومات جديدة من المعلومات التي سبق أن طلبتها لتتمكن من القيام بعملية التدقيق الجنائي؟
٣- هل تغيّر موقف حاكم مصرف لبنان لناحية رفضه تسليم المعلومات المتعلقة بهيكليته وعمله التنظيمي وقواعد الحوكمة المعتمدة لديه بحجة أن إتاحة هذه المعلومات يشكل انتهاكاً لقانون النقد والتسليف؟
٤- هل تغير موقف حاكم مصرف لبنان بخصوص إمكانية الولوج إلى أنظمة التدقيق المحاسبي للمصرف لإتمام عملية التدقيق؟
إذا صدق مصرف لبنان في قراره التعاون مع شركة التدقيق، تبقى عقبة واحدة يمكن أن تطيّر التدقيق الجنائي مجدداً. العقبة ليست سوى نص القانون نفسه، ولا سيما العبارة التي تشير إلى أنه «تخضع حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي للتدقيق الجنائي دون أي عائق أو تذرع بسرية المصارف أو خلافها». «التوازي» جعل كثيرين يشككون في وجود مسعى لضرب التدقيق. مصادر معنية سبق أن اعتبرت أنها الثغرة التي وضعت لتفخيخه. فالتوازي، إنما أريد منه أن يؤدي إلى عدم التمكن من البدء بالتدقيق من مصرف لبنان، بل وجوب أن يطال كل الجهات المعنية معاً، ما يجعل التدقيق يحتاج إلى سنوات وأموال طائلة. قيل حينها إن الغاية من طرح التوازي هي تنفيس حماسة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر للتدقيق في المصرف من خلال ربطه بالتدقيق في وزارة الطاقة أيضاً.
الرئيس نبيه بري كان واضحاً في الإشارة، في 29 كانون الثاني الماضي، إلى أنه «مع إجراء تحقيق جنائي يشمل حسابات كلّ مؤسسات الدولة، وزارات وإدارات وصناديق ومصرف لبنان، وأول ما يجب أن يبدأ به التحقيق الجنائي هو وزارة الطاقة».
هذا السياق جعل مصادر مسؤولة تلاحظ أن حماسة التيار الوطني الحر للتدقيق قد خفتت فعلاً. مع ذلك، ظلّ نواب شاركوا في إعداد مسودة القانون يؤكدون أن التوازي لا يعني البدء بالتدقيق في الوقت نفسه. وهؤلاء جزموا بأن العودة إلى محضر الجلسة يثبت أن كل النقاشات انطلقت من أن التدقيق سيبدأ من المصرف المركزي أولاً.
أمام هذا الواقع الذي يحمل في طيّاته تناقضاً في التفسير لقرار المجلس، عمدت وزارة العدل إلى طلب رأي هيئة الاستشارات والتشريع، التي خلصت بداية إلى أن موضوع القانون ليس إخضاع حسابات مصرف لبنان والمؤسسات الأخرى للتدقيق، إنما تعليق العمل بقانون السرّ المصرفي وجميع المواد التي تشير إليه في ما يتعلق بعمليات التدقيق المالي والتحقيق الجنائي التي قرّرتها أو تقررها الحكومة.
انطلاقاً من ذلك، رأت الهيئة أن كلمة «توازي» التي وردت القانون تعني: شبه، تطابق، تماثل. وأشارت إلى أن المشترع والفقه والاجتهاد استعمل تعبير التوازي للتعبير عن فكرة التشابه والتطابق في حالات كثيرة، ولعل الأكثر استعمالاً هو قاعدة موازاة الصيغ. وعليه، توضّح الهيئة أن عبارة توازي تختلف عن تزامن التي تعني: اتفقا بالزمن حدثاً في وقت واحد. وبالتالي تخلص الاستشارة التي أصدرتها رئيسة الهيئة جويل فواز، في 2/2/2021، إلى أن ما قصده قرار مجلس النواب بأن «حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة تخضع بالتوازي للتدقيق الجنائي هو أن جميع هذه الحسابات تخضع بطريقة متشابهة، مماثلة، للتدقيق الجنائي، ولم يقصد أنها تخضع جميعها للتدقيق الجنائي في وقت واحد، وإلا لكان استعمل واضع النص عبارة «بالتزامن» بدلاً من «بالتوازي»».
وتعتبر الاستشارة أن ما يؤكد هذا التفسير هو ربط القانون لعملية التدقيق الجنائي بقرار يصدر عن الحكومة التي يعود لها أن تقرر متى تخضع حسابات الوزارات والمصالح المستقلة والمجالي والصناديق والمؤسسات العامة للتدقيق في ضوء المعطيات التي تتوافر لها («تعليق السرية لمدة سنة في كل ما يتعلق بعمليات التدقيق الجنائي التي قررتها وتقررها الحكومة…»).
تجدر الإشارة إلى أن الهيئة ذكّرت بأنه في حال قرّرت الحكومة إجراء التدقيق الجنائي في حسابات غير حسابات مصرف لبنان، وفي حال تقرر إسناد هذه العملية إلى شركة «ألفاريز أند مارسال» فإنه يقتضي عندها إما تعديل العقد الراهن، وإما توقيع عقد جديد معها، وفي الحالتين سيكون هنالك تكلفة إضافية.
هذه المسألة كان تطرق إليها وزير المالية غازي وزني في كتابه الموجه إلى رئاسة الحكومة، في 18 كانون الثاني، معتبراً أن إشارة القانون إلى وجوب أن يجري التدقيق بالتوازي، يقتضي توسيع مهام التدقيق ليشمل جميع الأطراف المذكورة في القانون، وبالتالي يستدعي تعديل العقد الموقّع مع الشركة، ويترتب عليه تكلفة إضافية. حينها طلبت رئاسة الحكومة قبل المضي في توسيع مهمة التدقيق المالي والجنائي، إيداعها نسخة معدلة عن العقد بتفاصيله كافة ومستوفياً الشروط والإجراءات المفروضة أصولاً.
حتى اليوم لم تعدّ وزارة المالية العقد ببنوده المعدّلة، علماً بأن رئاسة الحكومة عادت وأرسلت تذكيراً لها تسأل فيه عن مصير العقد. إلا أن الوزارة، التي أرسلت بدورها تذكيراً إلى مصرف لبنان بالأسئلة التي طلبت الإجابة عنها في 18 كانون الثاني، تشير إلى أنها لم تبدأ بإعداد العقد، بانتظار رد مصرف لبنان. فموافقة شركة «ألفاريز» على استكمال العقد مرهونة بالإجابة عن أسئلتها إلى المصرف، والتي يفترض أن يتسلمها وزير المالية اليوم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا