اختراع سعر صرف «المنصّة» المُحدّد بـ3900 ليرة لبنانية لكل دولار، كان له «فائدة» بالنسبة إلى موظفي بعض المصارف التجارية. فعددٌ كبير من هذه المصارف، قام في الأشهر الثمانية الأخيرة بتحويل نسبةٍ من رواتب العاملين لديها إلى الدولار بحسب سعر صرف 1515 ليرة للدولار، حتّى يتمكّن الموظفون من سحبها على أساس سعر 3900 ليرة للدولار. خطوةٌ اعتبرتها إدارات المصارف «إبرة المورفين» لموظفين يسود مستقبلهم المهني القلق، بعد أن كانوا قبل سنة «يُحسَدون» على «وظيفة المكتسبات» الجمّة. ومن جهة العاملين فقد قبلوا بهذه «الزودة» على اعتبار أنّها تسند احتياجاتهم وتسدّ جزءاً ولو يسيراً من التآكل الذي أصاب رواتبهم. ولكن يبدو أنّ تاريخ صلاحية هذه الخطوة قد شارف على الانتهاء.

قبل قرابة أسبوع، أبلغ مصرف «سارادار» الموظفين لديه تعديل آلية دفع الرواتب، واستبدال سعر الـ3900 بسعر صرف يبلغ 3100 ليرة على اعتبار أنّ هذا «سعر دولار الشيك»، الذي يقوم المصرف ببيعه في «السوق» حتّى يتمكّن من تسديد الرواتب، مع ما تعنيه من ترتيب خسائر إضافية على ميزانيته. هذه الرواية قدّمها «سارادار» للموظفين، طالباً منهم التوقيع على موافقتهم اعتماد سعر الصرف الجديد.
لماذا تراجع «سارادار» عن «خدمة الـ3900» ليرة؟ الإدارة أبلغت الموظفين أنّ مصرف لبنان «مُنزعجٌ» من هذه «الخدمة»، خاصة أنّ مصارف أخرى حوّلت كامل رواتب بعض الموظفين من الليرة إلى الدولار حتى يسحبوها وفق سعر 3900 ليرة. إضافةً إلى أنّ «المركزي» مارس نوعاً من «التهديد» على مصارف بعدم بيعها المزيد من «الدولار المصرفي»، أو طلب تسديده على أساس 3900 ليرة. لذلك اعتبر بعض العاملين في القطاع خطوة «سارادار» مُقدّمة لتبدأ مصارف أخرى تخفيض تقديماتها إلى الموظفين، عبر رمي المسؤولية على مصرف لبنان. أما انزعاج «المركزي» فمردّه إلى أنّه يبيع كلّ المصارف «كوتا» بالدولار اللبناني تختلف حصتها بين مصرف وآخر باختلاف حجم محفظته المالية والتزاماته، كما تُسدِّد المصارف قيمتها بالليرة وفق سعر 1515، لاستخدامات مصرفية وليس لتمويل سلسلة رتب ورواتب داخلية.
يُخبر أحد المسؤولين الماليين السابقين أنّه في السنوات السابقة كانت المصارف بشروط مُعينة تشتري الدولارات من مصرف لبنان لتُغطّي احتياجات الزبائن، «ولكن منذ الربع الأخير من العام 2018، بدأنا نُلاحظ وجود طلب مُضخّم على الدولار من قبل خمسة مصارف كُبرى - بشكل أساسي - يفوق حاجاتها». في مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف بدأ «الشعور بالسخن»، لأنّ «المركزي» يبيع الدولارات من دون أن يُكوّن بديلاً منها.

في الربع الأخير من الـ2018، بدأ يتضخّم الطلب على الدولار من قبل 5 مصارف كُبرى

لماذا ارتفع الطلب؟ يُجيب المسؤول بأنّ الدولارات استُخدمت لأكثر من سبب، «منها تحويل الودائع من الليرة إلى الدولار، ومنها للعمليات التجارية، وجزء منها استُخدم لتحويل أنصبة أرباح مساهمين في المصارف إلى الدولار وإخراجها من لبنان». المصيبة هي أنّ الجهات الرقابية على المصارف، وعلى رأسها «المركزي»، اكتشفت كلّ التحركات «المُريبة» من دون أن تلجم «حيتان» المصارف. يُبرّر المسؤول بأنّه «لم يكن مُمكناً سؤال المصارف علناً، ولكن لجأنا إلى طريقة غير مباشرة حتّى لا نخلق حالة قلق في السوق». استفادت المصارف من هذا «الخجل» الرسمي غير المُبرّر، حتى «تشفط» ما أمكنها من دولارات لدى مصرف لبنان، إلى أن «بدأت دولرة الودائع ترتفع بشكل كبير، ثمّ انطلقت انتفاضة 17 تشرين». شرّع مصرف لبنان وجود «الكوتا» بطريقة «استنسابية، فكانت تتمّ مراقبة كلّ مصرف أسبوعياً ومعرفة كم بلغت التزاماته ليتمّ تسديدها». إذاً كوتا الدولار - الوهمي - هي «اختراع» ما بعد انهيار الـ2019، تحصل المصارف بموجبها على «دولارات» من مصرف لبنان، تُسدّد قيمتها بالليرة وفق سعر 1515. صحيحٌ أنّ المبالغ التي يبيعها «المركزي» انخفضت في الأشهر الماضية، ولكنّها لا تزال سارية. يُفترض بـ«الكوتا» أن تُساعد المصارف على تغطية فارق القروض بالدولار التي سُمح للعملاء الأفراد بدفعها والفوائد عليها بالليرة، كما تسديد الودائع بالدولار التي يُريد أصحابها سحبها وفق سعر المنصة 3900 ليرة. إدارات المصارف وجدت استخدامات أخرى لـ«الكوتا»، كالمساعدة في تكوين المؤونات بالليرة، والقيام بتسويات مع الشركات والمؤسسات التي يُساوم بعضها المصارف على دفع القروض مناصفةً بين اللبناني والدولار... وإلا تمتنع عن الدفع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا