يبدو أن حقيقة مؤلمة تغيب عن ذهن معظم اللبنانيين، ولا سيّما المسؤولين الرسميين، تتمثّل في أن الوفد اللبناني المفاوض على ترسيم الحدود الجنوبية حمل إلى طاولة المفاوضات في الناقورة خريطة لا قيمة دستورية لها. فهذه الخريطة، وإنْ كانت بإحداثيات مختلفة عن النقطة 23 التي سبق أن حددتها لجنة شكّلها مجلس الوزراء في عام 2008 وأنهت أعمالها في 2009، وإنْ كانت أيضاً متقدمة نسبياً على سابقتها من عام 2009، إلّا أنها لم تُمهر بتوقيع أي مؤسسة دستورية، لكونها غير صادرة بمرسوم عن مجلس الوزراء، ولا تحمل توقيع رئيس الجمهورية، فضلاً عن أنها لم تنل، على ما يبدو، تأييد الكتل النيابية في مجلس النواب. هذه الخريطة التي حملها الوفد، بناءً على توجيه من رئاسة الجمهورية، تنطلق من مقاربة جديدة للنقطة الأساس من الشاطئ اللبناني المسماة B1، وتفرض تعاملاً مختلفاً مع النتوء الصخري المسمى «تيخيليت». لكن بالطبع كان بإمكان الوفد اللبناني تأبّط خرائط أخرى تزيد من المساحة التي يقدّرها لبنان ذاتياً لتكون منطقته الاقتصادية الخالصة.

المشكلة التي تواجه المفاوض اللبناني اليوم، وبعض المسؤولين في الدولة، سببها أن المفاوض الإسرائيلي، أو الوسيط الأميركي، وبكل بساطة، قد يُشكِل على الوفد بالقول إن الخريطة والمقاربة اللتين يقدّمهما لا تأييد دستورياً لهما. بل وإن الطرح بذاته مخالف لما وافقت عليه المؤسسات الدستورية اللبنانية: المرسوم 6433/2011، والخرائط المرفقة به، ورسائل الخارجية اللبنانية للأمم المتحدة في عام 2010 و2011. وهو للأسف، إشكال صحيح، إلى حد يؤرّق الجميع، وبطبيعة الحال، الوفد اللبناني المفاوض.


لقد اتصل الوفد بجهات سياسية، مطالباً بتعديل موقعه التفاوضي عبر تعزيزه دستورياً، وتمكينه ليكون أوسع قدرة في الدفاع عن حقوق لبنان، وفق تصوّر متطوّر، أكثر تحقيقاً للمصلحة الوطنية، وأرقى من الذي جرى اعتماده في 2009، أيام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
باحثَ الوفد اللبناني تلك الجهات الرسمية، عارضا حاجته إلى استصدار مرسوم يعدّل المرسوم 6433/2011، ويحدد من جديد إحداثيات المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، لكنّ بعض الجهات السياسية لن توافق على استصدار مرسوم، معلّلة رفضها بأن مرسوماً من هذا النوع يمكن أن يحكم لبنان سلفاً، إذ إنه سيكون قد وضع حدوداً تقرّ بوجود منطقة اقتصادية خالصة للكيان الإسرائيلي. في الواقع، هذا الكلام الذي يواجَه به الوفد ليس دقيقاً، وقد يجاب عنه بالقول إن ما يقوم به لبنان هو ترسيمٌ ذاتيٌ لحدود منطقته الاقتصادية الخالصة، من دون أن يأتي على ذكر المنطقة التي تقابله.
المدهش أيضاً، هو ادعاء آخرين بأنه ليس من داع لوجود مرسوم يحدد منطقة اقتصادية خالصة للبنان، إذ يغيب عن بال هؤلاء أن مجلس الوزراء أصدر عام 2011 المرسوم الرقم 6433 الذي يحدد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، جاعلاً النقطة 23 نقطة ثلاثية البعد مع قبرص وفلسطين المحتلة. لذلك، فإن القول بألّا داعي لإصدار مرسوم جديد، يُردّ عليه بأن لدى لبنان حقيقةً مرسوماً يرسّم حدوده بافتئات على حقوقه الأصيلة. الجدير ذكره أيضاً، أنّ سجالاً دار خلال ترسيم خريطة عام 2009 بين وجهتَي نظر. الأولى تتمثل بوزارة الأشغال ومديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، تتمسك بأن النقطة التي تحقّ للبنان هي النقطة الـ 23، في حين أن وجهة النظر الأخرى، التي عبّر عنها ممثل الخارجية اللبنانية داخل اللجنة، تقول بإمكانية الذهاب جنوبي هذه النقطة بما يضيف بين 1300كلم2 و1700كلم2 تقريباً على مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة. لكن، ومع الأسف، سادت وجهة النظر الأولى، لأسباب غير مفهومة ومحلّ تساؤل وشبهة.
مقاربة ثالثة مختلفة قدّمها خبراء في القانون الدولي وشؤون الطاقة (الخريطة المرفقة)، تعطي لبنان حقوقه. فالنقطة الـ 23 لا يصحّ اعتمادها، لكونها قد حدّدت بعد إزاحة الخط البحري شمالاً بسبب ما يسمى أثر جزيرة تيخيليت ــــ التسمية التي أطلقها الإسرائيليون على النتوء الصخري هناك. بينما، في الحقيقة، ليس من جزيرة، بل مجرد صخرة كبيرة لا تأبه لها الاتفاقية الدولية لقانون البحار، بدليل أحكام دولية كثيرة صادرة لم تأخذ بعين الاعتبار «جزراً» تضمّ 60 ألف نسمة.
يضيف هؤلاء الخبراء أنه حين جرى رسم الخط، لم تكن الحكومة قادرة على الوصول إلى النقطة B1، لأنها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأن نقطة B1 حتى ولو وضعت وفقاً لترسيم خط الهدنة، فإنها تبقى مخالفة لنص اتفاقية الهدنة، القائل بوجوب أن يتطابق خط الهدنة مع الخط الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة المحدد وفقا لاتفاقية بولي-نيوكومب « Paulet–Newcombe» عام 1923. لذا كان ينبغي على نقطة B1 أن تكون في نهاية وادي كركرة، الذي يبعد 1.8 كلم عن النقطة B1 بحسب خط الهدنة عام 1949. ما حصل في ذلك العام، هو أن المفاوض الاسرائيلي دفع بالمفاوض اللبناني إلى القبول بتأخير النقطة B1 شمالاً، أي باتجاه لبنان، ما أتاح للكيان القدرة على تقاسم رأس الناقورة الذي سمّاه من جهته «روش هانكيرا Rosh HaNikra»، متجاوزاً بذلك حدود خط الهدنة. وكما هو معلوم في ألف باء الهندسة، فإن فَرقَ أمتار على الشاطئ يتسع داخل البحر ليشكل مساحة واسعة.
وفي المجال التشريعي، إن الاعتراض بأنه لا يمكن تعديل المرسوم 6433/2011 لأنه قد سبق أن جرى إبلاغ الأمم المتحدة به، فمردود على قائله، لأن المرسوم ذاته، وفي مادته الثالثة، نصّ على ما يأتي: «يمكن مراجعة حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة وتحسينها، وبالتالي تعديل لوائح إحداثياتها، عند توافر بيانات أكثر دقة، ووفقاً للحاجة في ضوء المفاوضات مع دول الجوار المعنية».
إذن، صار واضحاً أن المفاوض اللبناني ليس في استطاعته الاستمرار في التفاوض وهو مكشوف دستورياً وقانونياً وسياسياً. فلا بد إذاً من تعديل المرسوم 6433، آخذاً في الاعتبار آليات جديدة لرسم المنطقة الاقتصادية الخالصة وفق أدق المعطيات وأفضل المقاربات التي ستؤدي إلى زيادة الحقوق.
في المفاوضات مع قبرص، شارك مسؤول لبناني ومساعده في مواجهة 8 خبراء قبارصة


مع قول ما تقدم، لا نستطيع سوى أن نستحضر واقع أن الخطأ الذي ارتكبته حكومة الرئيس السنيورة في عام 2009، لم يصحّح الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها حكومته أيضاً عام 2007، حين وقّعت يوم 17/1/2007 اتفاقية تحديد الحدود مع قبرص، التي تراجع فيها الجانب اللبناني، بحسب قول المدير العام للنقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، آنذاك، أميالاً إلى الوراء التزاماً بما تنصّ عليه الاتفاقية الدولية لقانون البحار، أي إلى النقطة 1. هذا التراجع يعتبر كارثة وطنية. فعلى أي أساس أو منطق قد يذهب وفد لبناني إلى التفاوض في 2007 من دون امتلاكه خريطة ذاتية تحدّد منطقته الاقتصادية الخالصة؟ المضحك والمبكي في آن واحد هو الوفد اللبناني - حينذاك - الضئيل حجماً والضعيف تقنياً، والذي كان مؤلفاً من المدير العام للنقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، ومساعده حسن شعبان فقط، من دون وجود مندوب لوزارة الخارجية لتدوين محاضر الجلسات التفاوضية أو مندوب للجيش حتى! في الوقت الذي كان الوفد القبرصي يضم ثمانية خبراء في مجالات الجيولوجيا والقانون الدولي والتنقيب عن النفط وغيرها. ما حصل آنذاك، شكّل كارثة وطنية وفضيحة إدارية، لم تصحّح كما ينبغي في خريطة 2009. ففي المحصلة، خسر لبنان مساحة تفوق 2600 كلم2 لحساب قبرص (المساحة الواقعة بين الخط الأسود والخط الأحمر على الخريطة المرفقة).
لم يعد جائزاً بقاء المرسوم 6433/2011 كمادة يعتمد عليها لبنان في مفاوضاته، بل حتى في غير حالة التفاوض. فالحاجة إلى التعديل قائمة بذاتها، غير مرتبطة بأي أمر آخر، لتحصين موقع لبنان وتدعيمه. وبعد انسداد أفق المفاوضات، قد يُدفع بلبنان إلى خيارين، إما أن يقبل بتقاسم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع العدوّ المفاوض، وهذا تنازل خياني وغير مقبول عن الحقوق الوطنية و الثروات، وإما بأن يستمر في التفاوض غير المجدي والخطر مع العدو الإسرائيلي، مع خوف ينشأ من أن يعمد حليفه، الوسيط الأميركي، إلى ممارسة ضغوط لإرغام اللبنانيين على التنازل. وقد سبق للولايات المتحدة أن أرغمت الجانب اللبناني، مكرهاً، على الذهاب إلى مفاوضات الناقورة، عارفاً بأن لا نتيجة منها، لكونه قد سبق أن فاوض لمدة عشر سنوات عبر فريدريك هوف وغيره من الموفدين الأميركيين، ليحصل على أقل من 600 كلم2 تقريباً من المنطقة التي تسميها اتفاقية القانون الدولي للبحار الآن المنطقة الاقتصادية المتنازع عليها، علما بأن المنطقة الواقعة بين ما يسمّى خط هوف والنقطة 23، هي المنطقة الأكثر واعدية في احتوائها للموارد، بحسب ما بيّنت الصور الزلزالية الثلاثية البعد.
يفرض انتساب لبنان إلى الاتفاقية الدولية لقانون البحار عليه مشكلة، حيث إنه، بحسب الاتفاقية (الكيان الإسرائيلي لا ينتسب إليها)، ملزم في حال حصول نزاع بينه وبين طرف موقّع آخر عليها حول المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالامتناع عن القيام فيها بأي عمل، وهذا ما حصل في الـ 865 كلم2 التي تعتبرها الأمم المتحدة منطقة متنازعاً عليها. انطلاقاً من هذه المشكلة، وبناءً عليها، يمكن للبنان اجتراح حل من شأنه خلق موقع متقدم له في المفاوضات، يتيح له استرجاع حقوقه التي جرى التراجع عنها من قبل وفد الرئيس السنيورة إلى قبرص بقرار واضح بدا في الفقرة المتعلقة بإخلاء المسؤولية Disclaimer في النسخة القبرصية لمحضر جلسة التفاوض (نظراً إلى عدم وجود نسخة لبنانية للمحضر كما ذكرنا أعلاه): إن النقاط الأخيرة للخط الوسطي (نقطة 1و 6) تم التراجع بها عن النقطتين الثلاثيتَي البعد اللتين تم احتسابهما في الشمال والجنوب، للسماح بحصول مفاوضات مستقبلية مع الدول المجاورة.

تعديل لبنان حدوده يدفع قبرص مباشرة إلى وقف التنقيب في المنطقة «المتنازع عليها»


بدون هذا الطرح، وكما ذهب لبنان إلى التفاوض مرغماً، علماً بأنه كان عليه وباستطاعته تفاديها، سيذهب مجدداً، ومع الأسف، من دون ذخيرة دستورية وقانونية وسياسية كافية لإعداد ملف صلب ومتماسك. فتعديل المرسوم 6433 سيمكن لبنان من الاستناد إلى أفضل القواعد التي تؤدي إلى أخذه حقوقه، بعيداً عن العقلية الانهزامية والتنازلية التي سيطرت على لجنة الـ 2009، بانتظار أن يأتي الزمان الذي يناقش فيه كيف أنها فرضت، ومَن وراءها، النقطة 23 بدل التوسع جنوباً باتجاه فلسطين المحتلة، كيف أنها تصدّت لكل محاولة داعية لذلك.

لماذا التفاوض مع قبرص؟
أولاً، لأن التفاوض مع العدوّ الإسرائيلي غير مجد، وذو خطورة لواقع أنه قد يستخدم عصا حليفه الأميركي لدفع لبنان نحو التنازل عن جزء من 865 كلم2 المصنّفة «متنازعاً عليها». ثانياً، لأن المشكلة بدأت في أصلها باتفاقية تحديد الحدود مع قبرص، حين قبل لبنان التراجع إلى حدود النقطة الرقم 1. وبالتالي، ليصحح لبنان هذا الخطأ، عليه أن يتفاوض مجدداً مع الجانب القبرصي لتحديد حدود جديدة، وخاصة أن الاتفاقية لم تبرم، إذ لم تحل إلى المجلس النيابي ليقرّها، فمن حق لبنان إذاً أن يطلب إعادة التفاوض حولها. ثالثاً، قبرص دولة منتسبة إلى الاتفاقية الدولية لقانون البحار كما لبنان، وبالتالي، فإن ما ينطبق على لبنان ويلزمه ينطبق عليها ويلزمها أيضاً، فبعد أن يبلغ لبنان الأمم المتحدة بإحداثيات منطقته الاقتصادية الخالصة ضمن المرسوم الجديد والخريطة المرفقة، التي تعتمد النقطة 62 بدلاً من 23، فإن المنطقة بين النقطة 1 و62 ستصبح منطقة متنازعاً عليها، وعلى القبارصة الامتناع عن القيام بأي عمل فيها، ما سيضطر قبرص حينها، حفاظاً على مصالحها، إلى التفاوض مع لبنان والتوصل إلى تسوية تطيح النقطة الرقم 1 أساس المشكلة. رابعاً، على فرض أنه لم يتم التوصل إلى تسوية، فبحسب الاتفاقية الدولية لقانون البحار، بإمكان لبنان الذهاب إلى خيار التحكيم. ولمّا كانت المحاكم تعتمد في أحكامها مبدأ الإنصاف، فمن المرجّح أن يكون الحكم لمصلحة لبنان، إذ ليس من الإنصاف أن يطبق على لبنان وساحله الواحد ما يطبق على قبرص الجزيرة مع ما لها من شواطئ. خامساً وأخيراً، بعد أن يطيح لبنان النقطة الرقم 1، سيكون قد أطاح في الوقت عينه الاتفاق القبرصي ــــ الإسرائيلي وأسقط ادّعاءات العدو، من دون الولوج في مفاوضات عبثية وخطرة ولا طائل منها مع الكيان الإسرائيلي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا