عادت قضية تسعير فواتير الاتصالات الخلوية بالعملة الأجنبية إلى الواجهة مجدداً بعد تمنّع العديد من المصارف عن دفع فواتير الخطوط الخلوية الثابتة لعملائها الذين يملكون حسابات «غير مطابقة لعملة التسديد»، أي الحسابات بالليرة اللبنانية. خطوة، تطال مفاعيلها أيضاً الزبائن الذين يملكون حسابات بالدولار والذين سيتكّبدون خسارة كبيرة عند سداد كلفة فواتيرهم مباشرةً عبر البنك.

تضرب المصارف بعرض الحائط القوانين كافة التي تُلزم الدفع بالليرة اللبنانية، متذرّعةً بأن «شركتي الخلوي ألفا وتاتش تصدران الفواتير بالدولار الأميركي، وهو ما يفرض عليها الدفع وفق العملة المعتمدة في الفاتورة». وفيما تنفي وزارة الاتصالات إلزامية الدفع بالدولار، فإنها تدعو المواطنين إلى تدبّر أمرهم وحلّ المسألة من خلال مجموعة من الخيارات لا يتطرّق أي منها إلى لبّ المعضلة، أي تسعير شركتي الخلوي للفواتير بالدولار ومخالفة المصارف لقانون النقد والتسليف.
المعضلة بدأت منذ أشهر، فيما الدولة غائبة عن السمع. ترمي المصارف المسؤولية على شركتي الخلوي وتدّعي بأن «الشركتين تطلبان منا دفع الفواتير بالدولار. وعلى سبيل المثال، فإذا كانت قيمة الفاتورة 150 ألف ليرة كانت الشركتان تصران على قبض 100 دولار أميركي، وهو ما كان يحمّلنا كلفة التحويل». لذلك «طلبنا من العملاء أن يجلبوا إفادة من الشركة التي يتعاملون معها تسمح لهم من خلالها بأن يسددوا قيمة الفاتورة بالليرة اللبنانية. ومن دون هذه الإفادة لا يُجري البنك التحويل إذا كان حساب العميل بالليرة اللبنانية وبالتالي لا تُدفع الفاتورة. أما بالنسبة للعملاء الذين يملكون حسابات بالدولار فتحوّل قيمة الفاتورة من حسابهم بالدولار، إلا في حال استحصلوا على إفادة من شركتي الخلوي تسمح لهم بالدفع بالليرة». السيناريو الأخير يعرّض العملاء لخسارة كبيرة، كون الفاتورة (في المثال 100 دولار) ستُدفع على أساس سعر الصرف الرسمي أي على أنها تساوي 150 ألف ليرة، فيما الـ100 دولار تساوي وفق سعر صرف المنصة 390 ألف ليرة، ما يعني خسارة محققة بـ 240 ألف ليرة.
إلا أن الوقائع تنقض حجة المصارف، لا بل تضعها في موضع الشبهة، إذ إن الشركتين رغم إصدارهما الفواتير بالدولار كانتا تقبلان القبض بالليرة اللبنانية وعلى أساس سعر الصرف الرسمي وهو ما يؤكّده الكثير من تجار الهواتف الخلوية والمشتركين الذين تواصلت معهم «الأخبار» والذين أكدوا أن «الشركتين أكدتا أن لا مشكلة لديهما بالقبض بالليرة، وفي حال تمنّع المصارف فما عليهم إلا أن يدفعوا الفواتير مباشرةً في الشركة أو عبر OMT». بالتالي، إذا كانت شركتا الخلوي تقبلان الدفع بالليرة، فأين كانت تذهب مصاريف التحويل التي تزعم المصارف تحملها؟ كذلك ما الذي دفع المصارف إلى اتخاذ مثل هذا القرار، خاصة أنها كانت تقوم «بتحويل» قيمة الفواتير من الليرة إلى الدولار كما تزعم لسنوات ومن دون أي شكوى.
المشكلة القائمة تطرح من جديد قضية «قيام شركات تدير مرافق عامة بتسعير خدماتها بغير الليرة اللبنانيّة، وهو أمر لا ينحصر فقط بقطاع الاتصالات» بحسب النائب هاكوب ترزيان. معضلة كان يُفترض أن تكون وجدت طريقها إلى الحل وفقاً له، خاصة بعد أن «فرضت المادة 35 من قانون الموازنة العامة لعام 2020 إيفاء جميع البدلات المستحقة لقاء كل خدمة تقدّمها الدولة اللبنانيّة والمؤسسات التابعة لها أو المُدارة من قبلها بالليرة اللبنانيّة، وهو ما يشدد عليه قانون النقد والتسليف الذي يلزم الدفع بالعملة الوطنية وفقاً للمادتين 1 و192 منه إضافة إلى المادتين 5 و25 من قانون حماية المستهلك». ويوضح ترزيان أنه توجه بسؤال الشهر الماضي إلى الحكومة عبر مجلس النواب عن «سبب إصدار شركتي الخلوي ألفا وتاتش فواتيرهما بالدولار الأميركي؟ ولماذا تستوفيان الفواتير من المصارف بالعملة الأجنبية؟ وحتى اللحظة لم أحصل على جواب». ويعتبر أن «التسعير يجب أن يكون بالليرة اللبنانيّة سواء استردّت الدولة إدارة القطاع أو لا».
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الناظرة في القضايا المالية برئاسة القاضية زلفا الحسن كانت قد أصدرت حكماً في شهر تشرين الثاني من عام 2019 يُلزم شركتي الخلوي «بإصدار الفواتير المتعلقة ببيع الخطوط وتسعير بطاقات الشحن أو التعبئة وخدمة الإنترنت وسائر الخدمات للمستهلك اللبناني بالليرة اللبنانية بالاستناد إلى التعرفة الرسمية لسعر صرف الدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية وذلك خلال مهلة أسبوع من تبلّغها القرار تحت طائلة غرامة إكراهية قيمتها مئة مليون ليرة عن كل يوم تأخير في التنفيذ من تاريخ انتهاء المهلة المذكورة».
فما الذي يحول دون تسعير الشركتين لفواتيرهما وخدماتهما بالليرة اللبنانيّة؟
يعتبر وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال طلال حواط أن «Mic1 و Mic2 هما شركتان خاصتان مملوكتان من الحكومة اللبنانية، وبالتالي لا يُطبّق عليهما القانون لناحية الفوترة بالليرة كما لو أنهما مديرية كالمديرية العامة للاستثمار والصيانة أو هيئة أوجيرو». بالنسبة له فإن المشكلة أساسها تقني بحت كون «برنامج الفوترة وُضع في الأساس بالدولار ومنذ سنوات طويلة، وتغييره يكلّف ملايين الدولارات. وما الداعي إلى تغييره طالما أن الفاتورة الصادرة بالدولار تتضمن أيضاً القيمة بالليرة اللبنانيّة على أساس سعر الصرف الرسمي».
لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ وهل يكفي أن تتضمن الفاتورة المدولرة القيمة بالليرة اللبنانيّة؟

أين كانت تذهب مصاريف التحويل التي تزعم المصارف تحملها؟


يقول الوزير السابق، المحامي زياد بارود أن «الفوترة بالدولار تضع المواطنين أمام خطر تقلّبات سعر الصرف واعتماد سعر صرف مغاير. أصلاً سعر الصرف الرسمي لا وجود له في قانون النقد والتسليف. لا نجد سعر الصرف «الرسمي» إلا على موقع مصرف لبنان. فمن الناحية القانونية عدم تحديد النص لسعر صرف «رسمي» سيفتح الباب أمام استنسابية كبيرة، وإرباك على المستوى القضائي بدأنا نلمسه من خلال الأحكام المتناقضة».
يحذّر بارود من أن «قرار وزارة الماليّة 893/1 المتعلّق بتحديد الضريبة على القيمة المضافة على أساس السعر بالليرة سيزيد من تعقيد أزمة سعر الصرف إذ أنه شبه إقرار بأن سعر الصرف «الرسمي» لم يعُد معتمداً. وهذا يدفع إلى التساؤل عن قيمة الضريبة على القيمة المضافة التي سيتوجب على المستخدم دفعها في ما يختص بفاتورة الخلوي، طالما أن الفاتورة مسعرة أساساً بالدولار؟».
ما العمل إذاً بانتظار إيجاد حل لمسألة التسعير بالدولار؟
يجيب حواط: «شو فارقة معو المشترك إذا كانت الفاتورة مسعّرة بالدولار؟ الذنب ليس ذنب الوزارة. هنالك عدة طرق للدفع وبإمكان الناس أن توقف توطين فاتورة الخلوي عبر البنك وأن تدفعها بالليرة اللبنانيّة بالطريقة التي تناسبها، إما في مكاتب الشركتين أو عبر OMT أو في مراكز أوجيرو على أساس سعر الصرف الرسمي».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا