أعطت الإجراءات الأمنية المسبقة التي اتخذها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في طرابلس، يوم أمس، وزيارة وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي للمدينة، انطباعاً بأنّه لن يتم التساهل مع ما تصفه قوى السلطة بـ«أعمال شغب واعتداء على الأملاك العامّة والخاصّة من قبل المحتجّين»، كما حصل يوم الخميس الماضي وقبله.

هذه الانطباعات دفعت المحتجّين الذين احتشدوا بعد ظهر أمس في ساحة عبد الحميد كرامي (النور)، والذين انضم إليهم محتجّون أتوا من مختلف المناطق اللبنانية للتضامن مع طرابلس، إلى إبقاء تحرّكاتهم سلمية وتحت السيطرة، لإدراكهم أنّ ردّ الفعل على أيّ أعمال «تخريبية» سيكون قاسياً من الجيش والقوى الأمنية، خصوصاً بعد الانتقادات التي طالت الجهات الأمنية واتهمتها بالتقصير والتقاعس في حماية المؤسسات العامّة والخاصة وأبناء المدينة، ممّن عاثوا فيها فساداً وتخريباً.
فهمي تفقد مبنى بلدية طرابلس، واطّلع على الأضرار الناجمة عن الحريق الذي اندلع فيها ليل الخميس، وجال في سرايا المدينة والمحكمة الشرعية السنّية التي طالها حريق مماثل، وعقد اجتماعاً أمنياً، أكد بعده أنّ «القوى الأمنية لن تتهاون في الدفاع عن طرابلس وكلّ المناطق اللبنانية»، وشدّد على أنّ «القوى العسكرية كافة ستعمل بكلّ ما أوتيت من قوة لمنع المسّ بهيبة الدولة والتعرّض للأملاك العامة والخاصة». لكن تصريحاته لم تحل دون توجيه انتقادات عديدة إليه.
فقد اعتبرت مصادر سياسية لـ«الأخبار» أنّ فهمي تأخر «في زيارة المدينة التي اندلعت فيها أعمال شغب وجرى التعرّض لسرايا المدينة قبل 10 أيّام، وبعد مرور 3 أيّام على حريقي مبنى البلدية والمحكمة الشرعية، وعدم اتخاذ القوى الأمنية إجراءات أمنية مسبقة كافية كان بإمكانها الحؤول دون وقوع كارثة يوم الخميس».
زيارة فهمي التفقدية المتأخّرة لطرابلس لم تكن وحدها محل انتقاد، بل إنّ بيان قوى الأمن الداخلي أمس، الذي شرحت فيه ما حصل، نال انتقادات مماثلة. بيان المديرية أشار إلى أنّ «هذه المؤسسة قامت بحماية السرايا، لما تمثل من صورة للدولة وهيبتها، على الرغم من استماتة مثيري الشغب لاقتحامها باستخدامهم 16 قنبلة حربية، وحوالى 600 قنبلة مولوتوف وغيرها، بهدف قتل أكبر عدد من العناصر وإصابتهم، وحرق السرايا، وعندما فشلوا في مخططهم توجّهوا إلى مبنى بلدية طرابلس، وقاموا بحرقه»، وأنّ «القوى المولجة حماية السرايا لا يتجاوز عديدها من قوة مكافحة الشغب 100 عنصر، فضلاً عن العناصر الموجودين أصلاً في السرايا». وأشارت المديرية إلى أنّه أعطيت الأوامر للقوة الضاربة في فرع المعلومات ولسرية الفهود في القوى السيّارة بالتوجه من بيروت إلى طرابلس، «ووضعت الخطط اللازمة لحماية السرايا، وقد نفذت هذه الخطط الموضوعة بدقة لحفظ الأمن والنظام». إلا أن المصادر السياسية في طرابلس أشارت إلى أن «هذا البيان يدين قوى الأمن الداخلي ولا يبرّئها من تهم التقصير، لأن القوّة الضاربة في شعبة المعلومات وسرية الفهود قد وصلت إلى طرابلس ليل الأربعاء، بينما وقع حريق المحكمة الشرعية ومبنى البلدية بعد 24 ساعة، فأين كانت هذه القوى؟ وماذا فعلت كي نتفادى وقوع الكارثة؟».
ميدانياً، ومع أنّ الوضع بقي هادئاً وتحت السيطرة، قبل أن تشهد ساعات المساء رمي محتجين السرايا بالحجارة، ردّت عليهم القوى الأمنية بالقنابل المسيلة للدموع، فإنّ مواقف عدد من المحتجّين في الشارع الطرابلسي كان لافتاً؛ فقد اتهم بعضهم حزبي الكتائب والقوات اللبنانية بأنهم قد «باعوا الثورة»، لافتين إلى أنّ «من يتحرّك بالريموت كونترول لا نريده». وأشاروا إلى أنّ «طرابلس تدفع الثمن عن كلّ المناطق اللبنانية، وفقراؤها خرجوا إلى الشارع لأنه ليس لديهم ما يخسرونه. كان لدينا رئيس حكومة وأربعة وزراء من المدينة في حكومة واحدة، فماذا فعلوا لطرابلس؟». ورفض آخرون «تنديد السياسيين وفاعليات المدينة بما تعرّض له الحجر والزجاج والخشب، بينما لم يقولوا ولم يفعلوا شيئاً عندما كنّا نموت من الجوع أو على أبواب المستشفيات».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا