قد تكون العبارة الأشهر للنائب الأرثوذكسي الراحل ميشال المر (1931 - 2021)، أن «العشب سينبت على أدراج بكركي». قال هذا الكلام في عز وقوف البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير ضد الوجود السوري ورعايته لقاء قرنة شهوان. هي العبارة التي التصقت به تماماً كما التصق به مشروع «طابق المر»، عنواناً لكل ما هو خارج اطار القانون ولو مقونناً.

رحيل المر يفتح الباب امام مراجعة حقيقية من دون رتوشات، لحقبة سياسية مهمة من تاريخ لبنان، لا تتعلق بثروته كمهندس عمل خارج لبنان، ولا كيف راكمها لاحقاً كما جميع الذين استفادوا من ثروات هذا البلد بفعل وجوده في قلب النظام، أو بقربه من شخصيات ورموز سياسية قبل الحرب وخلالها، لأن مرحلة التسعينيات هي التي كرّست زعامة المر وحيثيته السياسية كأحد أبرز وجوه الوصاية السورية، وكـ«رئيس رابع» الى جانب الترويكا.
رجل أعمال ناجح، واحد من ممثلي الطائفة الارثوذكسية، كان يحلو له أن يعرّف عن نفسه - من دون وجه حق - بأنه صانع رؤساء، وحالم بالرئاسة المارونية الاولى شأنه شأن كثير من الشخصيات الارثوذكسية، أصبح أبرز الشخصيات السياسية في مرحلة ما بعد الطائف، نائباً لرئيس الوزراء ولرئيس مجلس النواب وزيراً ونائباً عن المتن. لكن ليست هذه الصفات التي طبعت عمله السياسي، مجردة من أي شوائب حفرت عميقاً في حياة أهل المتن والمسيحيين واللبنانيين.
الاكيد أن المر تفوق على نفسه وعلى غيره من الشخصيات السياسية، بقدرته على تأمين الخدمات على كل المستويات، كانت يد «أبو الياس» تطال كل ما يمكن تأمينه من خدمات أمنية، وهي كثيرة في هذا المجال، حين بنى شبكة متنامية بفعل توليه وزارتي الدفاع والداخلية، من ضباط في مختلف الاجهزة أورثها لاحقاً لنجله (الياس المر) في الوزارتين، وإنمائية ومالية ومساعدات من كل الاتجاهات، عرف كيف يوظفها لحشد ناخبيه، من الذين ورثهم من أحزاب مسيحية سجن قادتها أو نُفوا، أو من طبقة جديدة من المنتفعين في دائرة الخدمات التي وفرّها في مرحلة حساسة امتدت لعشرين سنة على الاقل. قدم المر خدمات لا تحصى لناخبيه. وهو في الواقع برع في هذا الجانب الخدماتي، وتمكن من خلاله من تأمين وظائف ومنازل ومدارس وجامعات. لكنه في المقابل ايضاً وفّر شبكة علاقات في بلدات المتن، من أعلاه الى وسطه وساحله، وامتد نفوذه الى خارج المتن، من خلال عمله كوزير للداخلية. وهذه وحدها قصة طويلة.
هي قصة صالون الخميس الذي كان يلتقي فيه في وزارة الداخلية نواباً ووزراء يستمعون إلى ما يقوله المر، ويطلبون تلبية كل ما يمكن أن تؤمنه الداخلية، وهي الوزارة المفتاح لكل الخدمات: محافظون، قائمقامون، «النافعة» وإدارة السير، وأجهزة أمنية ودائرة الاحوال الشخصية، ولوحات سيارات، ورخص بناء... هو الذي أجاب على الملأ، في مقابلة تلفزيونية رداً على سؤال حول المفرقعات التي أطلقت احتفاء بظهوره على التلفزيون وعمّا إذا كان أصحابها حازوا رخصة بذلك كما كان قرار الداخلية، بقوله: «منرخّصلهم». هي مزاريب الذهب والنفوذ اللامتناهي في وزارة الداخلية، في عز الانفلاش الامني والازدهار الاقتصادي - المالي الذي بنى عليه الرئيس رفيق الحريري مرحلة التسعينيات، فنمت معها شبكات متداخلة من التوظيفات والخدمات والمحاصصات، خدم من خلالها كثيرين، بعضهم انقلب عليه لاحقاً. تحكم في كثيرين وفي مفاصل الدولة وشرايينها من خلال تركيبة متكاملة، وثائق وأجهزة ومعلومات كانت في خدمته وخدمة مشروعه. لم يكن مشروعاً فكرياً - سياسياً ذلك الذي عمل عليه المر، بل كان مشروع السلطة المتكاملة التي تفرض نفسها على كل المكونات الاخرى، انطلاقاً من حيثية الطائفة الارثوذكسية، من دون أن يصبح زعيماً لها، مع صلات قوية مع النظام السوري، تعززت لاحقاً في حقبة الرئيس إميل لحود، ليس فقط لصلات المصاهرة بينهما (ابن المر تزوّج من ابنة لحود) بل أيضاً لتداخل المصالح مع متطلبات تلك المرحلة، فبقي فاعلاً فيها من دون وزارة جُيّرت لنجله الياس.

كانت يد «ابو الياس» تطال كل ما يمكن تأمينه من خدمات امنية


بنى شبكة علاقات سياسية ومالية واعلامية سمحت له بأن يطوّع بعض الاعلام لصالحه، ولا سيما في مراحل الانتخابات النيابية. وهو الذي أشرف على انتخابات بقوانين غازي كنعان، ووزير الداخلية الذي طوّع الانتخابات وفصّل إجراءها على مقياسه ومقياس حلفائه.
عملياً، ليس هو من عمل على مرسوم التجنيس، بل وزير الداخلية الذي سبقه بشارة مرهج، لكن المر الذي نفّذ المرسوم بحذافيره، ولم يعترض عليه، استخدمه بكل ما يمكن، في الانتخابات، من خلال تطويع اقتراع جزء من المجنسين في الصناديق. هو نفسه الذي كان يشرف على ملحق المرسوم الذي كان مقرراً صدوره لتأمين توازن مسيحي - إسلامي، وقد استلزم الكثير من عمليات «الابتزاز» لمسيحيين لبنانيي الاصل وسوريين وعراقيين كي يقدموا وثائقهم قبل أن يطاح الملحق.
السياسي الذي اقترب من الكتائب ومن القوات اللبنانية، حتى دعَم الحملة التي أدت إلى انتخاب قائد القوات، بشير الجميل، رئيساً للجمهورية، قبل أن يسهم في الاتفاق الثلاثي، ورافق الراحل ايلي حبيقة في سيارته الى دمشق لتوقيعه في كانون الاول عام 1985. بعدها تعرّض لمحاولة اغتيال اتُّهِم سمير جعجع بالوقوف خلفها.
كانت له اليد الطولى في استحداث اللقاء التشاوري عام 2002، في مواجهة لقاء قرنة شهوان، وشنّ سلسلة هجومات على صفير، قبل أن يقترح عليه لاحقاً أن يُنتخب رئيساً للجمهورية عام 2004 (مذكرات السادس والسبعون – أنطوان سعد) قائلاً عنه «إن مواقف غبطته أصبحت ضماناً للوجود المسيحي في لبنان والشرق».
المر الذي لوحق المتظاهرون من قوات وتيار وطني حر بإشراف نجله الياس، أصبح نائباً بتحالف مع العماد ميشال عون ودخل كتلته النيابية لينسحب منها لاحقاً. النائب الذي كانت له كتلة نيابية، تغيّرت أحواله بعد عام 2005. أصرّ على خوض الانتخابات، لا نجله الياس، ليصبح نائباً وحيداً بعد سنوات العز النيابية. علاقته بالاحزاب الأرمنية قد تكون الأطول والأرسخ، نظراً أيضاً إلى ارتباطاتها الخارجية، لكنها خضعت لاحقاً لتوازنات علاقة الطاشناق تحديداً بالعماد ميشال عون، من دون التخلي كلياً عن المر. وحافظ على علاقات بجيله من السياسيين والرؤساء، وفي مقدّمهم الرئيس نبيه بري، ومعه حبك كثيراً من الخيوط والتفاصيل والمشاريع السياسية.
الأكيد أن ميشال المر كان معجوناً بالسياسة بمفهومها اللبناني الذي يزاوج بين الخدمات والنفوذ من الداخل ومن الخارج، والانتخابات سبيلاً أول وأخيراً اليها. كان المتن محجته كما بتغرين أولاً وآخِراً، وأراد أن يصنع نموذجاً مختلفاً لزعامات أرثوذكسية متنية في قلب المتن الماروني - في مقابل نموذج فريد مثل ألبير مخيبر - لكنه لم ينجح إلا في مزاوجة السلطة والمال والخدمات. أي انتخابات متنية لم يكن له فيها باع طويل ورأي حتى بعدما بات خارج الوزارة، مع حضور متني عبر اتحاد البلديات وابنته ميرنا المر، ومفاتيح انتخابية بالعشرات والمئات، قبل أن يعود النفوذ العوني والقواتي والكتائبي الى المتن بقوة في الانتخابات البلدية والنيابية، ومع تسلم ابنه وزارتي الدفاع والداخلية ايضاً. انتخابات المتن الفرعية عام 2002، وإقفال تلفزيون المر، وانتخابات المتن بعد عام 2005، كلها كانت في مكان ما ساحة لعب ميشال المر يحاول فيها شبك نفوذه مع السلطة في لبنان كما كان يفعل إبان زمن الوجود السوري، وتركت أثرها كبيراً على المسيحيين وجوداً وحضوراً في السلطة والادارة. لكنّ الزمن تغيّر وتغيّرت رجالاته. نحو الأحسن أو الأسوأ؟ الوقت كفيل بتبيان ذلك. لكن ما لم يتغيّر هو أن وقائع حصلت في زمن الوصاية السورية والترويكا وتطبيق اتفاق الطائف، ليس من السهل القفز فوقها كأنها لم تكن. ميشال المر كان أحد أبرز رموزها.