لا جديد في التهديدات الإسرائيلية الأخيرة للبنان، شكلاً ومضموناً. ما ورد على لسان رئيس أركان جيش العدو الإسرائيلي، أفيف كوخافي، هو إعادة الحديث بصورة أكثر حدّة في الشكل عن «عقيدة الضاحية» لمن سبقه في المنصب، غادي إيزنكوت، التي هدد فيها مدنيّي لبنان باستهدافهم في الحرب المقبلة، إنْ نشبت.

و«عقيدة الضاحية» هي نفسها التي نفّذها العدوّ ضد المدنيين في حربه على لبنان عام 2006، التي أعاد إيزنكوت، عام 2008، بلورتها بوصفها عقيدة قتالية وجرى التشديد عليها لاحقاً في سياقات وأهداف عدة، كواحد من عوامل ردع حزب الله عن استخدام قدراته ضد «إسرائيل»، بهدف منعه أو الحد من توثّبه الدفاعي، في مواجهة اعتداءاتها على أنواعها.
ولعل سياقات التهديد الصادر عن كوخافي هي أهم ما فيه، وهنا تكمن دلالاته الفعلية بعيداً عن التجادل، فهي تأتي بعد فشل تل أبيب في الحؤول دون امتلاك حزب الله سلاحاً دقيقاً وبكميات فاقت ما خطّط له عبر «مشروع الدقة»، حسب التعبير العبري، أي الصواريخ الموجّهة الدقيقة لمديات بعيدة، سواء عبر التصنيع أو عبر تطوير ما هو موجود.
والمفارقة أن التهديدات تأتي في سياق هذا الفشل، وخاصة أن السلاح الدقيق هو واحد من أهم الأسلحة النوعية والأكثر تأثيراً في نيّات العدو العدائية، وهو كان حتى الأمس القريب يُعَدّ من ناحية تل أبيب تهديداً استراتيجياً هائلاً لا يمكن التعايش معه، وخطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه. وحسب تعبيرات العدو، هو سلاح من شأنه تقليص قدرة المناورة العسكرية لدى العدو، الابتدائية والردّية، عبر شن هجمات في لبنان.
ورغم أن تهديدات كوخافي جاءت مجبولة بتبجّح وغطرسة، والتأكيد على الاقتدار في وجه حزب الله، إلا أنها في الوقت نفسه تشكل إقرارا غير مباشر بتطور القدرة العسكرية لحزب الله التي يلزم في مواجهتها رفع صوت التهديد عالياً من دون مبادرة عسكرية لمواجهة هذه القدرات، إذ إن الانكفاء هو أهم سمة للموقف الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، والعام الماضي تحديداً، مع غلبة وحضور بارزين للتهديدات الكلامية.
والتركيز على أن «إسرائيل» تستهدف المدنيين في لبنان إنْ نشبت الحرب، يهدف ــــ إضافة إلى إرادة رفع منسوب ارتداع حزب الله عن المبادرة الهجومية الردّية حسب ما يرد من تل أبيب من تعبيرات ــــ إلى معاودة تحريض المدنيين وتحديداً بيئة حزب الله المباشرة، عبر تركيز الاستهداف في وعيها على أنه جزء لا يتجزأ ولا ينفك عن المواجهة المقبلة، سواء كانت مواجهة محدودة بأيام قتالية أو تلك الموسعة والشاملة.
ومنعاً للتقديرات والتحليلات المغلوطة، تهديدات كوخافي جاءت في كلمة ألقاها في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، في سياق المؤتمر الأمني السنوي للمعهد الذي يبحث في التهديدات الماثلة أمام «إسرائيل» وسبل مواجهتها، وهي كلمة ضمن سلسلة كلمات ألقيت في المؤتمر نفسه لإسرائيليين وغير إسرائيليين. ورغم أن ذلك لا يقلّل من مستوى التهديد الصادر عن أعلى سلطة تقريرية وتنفيذية في الجيش الإسرائيلي، إلا أنه معطى يجب ألا يغادر تحليل التهديدات الأخيرة لمنع الوقوع في جرعات زائدة من التقديرات على اختلافها، سلباً أو إيجاباً.
والتركيز على كلام كوخافي حجب عن المنصّة جملة كلمات في سياقها، وكذلك كتابات وتسريبات، بل وأيضاً تقديرات صادرة عن استخبارات الجيش الإسرائيلي تتعلق بالمعادلات القائمة بين العدو وحزب الله والمعارك الدائرة بين الجانبين على تغييرها مقابل تثبيتها، الأمر الذي يدفع إلى إطلاق التهديدات على اختلافها، وآخرها تهديدات كوخافي، في ظل تعذر الخيارات الابتدائية لدى «إسرائيل»، وفي مقدمتها الخيارات العسكرية والأمنية لإيقاف تراكم القدرة النوعية لدى حزب الله.
أيضاً، ومن دون قصد التوهين، التهديدات الأخيرة مشابهة في مقاصدها وإن مع الفارق، مع استعراضات القوة الجوية للعدو في السماء اللبنانية عبر الغارات الوهمية أو خرق جدار الصوت أو أن ترسم الطائرات الحربية خطوطاً من «الدخان» الأبيض في مسار خرقها لأجواء لبنان، علماً بأن الاستعراضات من هذا النوع هي في ذاتها حمّالة أوجه: في الوقت الذي تشير فيه الى القدرة على اختراق السيادة اللبنانية والتشويش على حياة اللبنانيين وإزعاجهم بما يقصد منه إفهامهم أن لـ«إسرائيل» القدرة على إيذائهم، هي أيضاً إشارة الى تعذّر الحل العسكري للتهديد المتشكل في الساحة اللبنانية، وإلا لكانت «إسرائيل» باشرت «حلّها العسكري» بلا مقدمات.

كلام كوخافي لا هو تعبير كلامي عن حالة توثّب عملاني لمباشرة حرب ضدّ لبنان، ولا هو رسالة ما في سياق التمهيد لجولة قتالية


تنطوي تهديدات كوخافي على إقرار في أن جيشه يواجه مشكلة مع حزب الله، إذ إنه ليس جيشاً نظامياً كلاسيكياً وكذلك ليس تنظيم حرب عصابات، بل هو ما يمكن أن يطلق عليه «كيان عسكري هجين» من الحالتين، الأمر الذي سلب الجيش الإسرائيلي القدرة على الحسم في مواجهة مخطط لها، وإن مع اقتدار عسكري لا مجادلة فيه. بل إن ميزان حزب الله العسكري سلب «إسرائيل» القدرة على تحقيق «ما دون الحسم»، بمفهوم الجدوى والتكلفة لأي مواجهة وإن جاءت على شاكلة أيام قتالية هي واحدة ممّا يتردد في «إسرائيل» في هذه الأيام بهدف الردع. هذا الواقع يشكل ــــ بحسب ما ورد على لسان كوخافي ــــ تحدياً كبيراً يوجب على «إسرائيل» تطوير قدرتها على المواجهة الناجعة ضده. وهنا إقرار بأن ما قامت به «إسرائيل» من استعداد وجهوزية في السنوات الماضية، غير كاف للحسم في المواجهة المقبلة.
واحد من الاستهدافات الموجودة في تهديدات كوخافي، هو الطلب بتطويع القوانين الدولية المتعلقة بالحروب والمواجهات العسكرية، ما يؤدي الى تمكين جيش العدو من هامش مناورة أكبر في حروبه، وإنْ جاء في سياقها أو لأجلها استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية. وعملياً، تريد «إسرائيل» من «المجتمع الدولي» أن يشرعن لها استهدافها للمدنيين، وهي جرعة إضافية تعطى للتهديدات وتهدف إلى تظهير جدّيتها وتبعاً لها ردعيّتها للأعداء، مع أو من دون نشوب الحرب المقبلة.
كذلك يبرز البعد الداخلي في التهديدات، التي لم تقتصر على لبنان فقط، بل شملت إيران وسوريا والعراق والداخل الفلسطيني، وصولاً الى اليمن وأعالي البحار. ففي السياقات الداخلية، شدد كوخافي على طلب ميزانية ضخمة للجيش الإسرائيلي، عبر تظهير حجم المخاطر والتهديدات الأمنية والعسكرية المحيطة بالكيان، وهو عامل مؤثر ودائم في تسليط الضوء، أيضاً على التحديات الأمنية التي لا يستقيم الحديث عنها إلا عبر إطلاق التهديدات.
في المحصلة، لا جديد في كلام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، وإن كان مشبعاً بالتهديدات. لا هو تعبير كلامي عن حالة توثّب عملاني لمباشرة حرب ضد لبنان، ولا هو رسالة ما في سياق التمهيد لجولة قتالية، قد تلجأ إليها تل أبيب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا