راسل المصرف المركزي القبرصي، قبل أيام، تسعة فروع لمصارف لبنانية تعمل في الجزيرة، طالباً «إبداء الرأي» في مشروع قرارٍ جديد ينوي إصداره، يتعلّق بإجبارها على تكوين احتياطي لدى «المركزي» القبرصي بنسبة 100% من حجم الودائع الموجودة لديها. بمعنى أنه إذا أودع أحد الزبائن مبلغ 100 ألف يورو في فرع لمصرف لبناني في قبرص، فسيتوجّب على المصرف أن يودع 100 ألف يورو لدى المصرف المركزي القبرصي. مهلة «إبداء الرأي» انتهت، ويتوقع أن يصدر القرار قريباً، لتكون هذه، بحسب مصادر مصرفية لبنانية، «بداية خروج المصارف اللبنانية من السوق القبرصية لأنّها لن تكون قادرة على الالتزام بالشرط الجديد، في وقت تُعاني فيه من أزمة سيولة بالدولار، وعليها الوفاء بالتزامات عدّة طلبها منها مصرف لبنان. لذلك، إقفال الفروع في قبرص سيكون أهون الشرّين بالنسبة إلى هذه المصارف».

وتعمل في قبرص 9 فروع لتسعة مصارف لبنانية (بنك بيروت، بنك البحر المتوسط، بنك بيمو، بنك لبنان والمهجر، بنك بيروت والبلاد العربية، بنك بيبلوس، بنك الاعتماد اللبناني، بنك أنتركونتيننتال وبنك لبنان والخليج)، فيما يملك كل من «سوسيتيه جنرال» والبنك اللبناني ــــ الفرنسي ترخيصَ عمل كمصرف مستقل وليس كفرع، وبالتالي فإنهما مستثنيان من هذا الإجراء.
قرار «المركزي» القبرصي ليس الأوّل من نوعه، إذ سبقه الى ذلك المصرف المركزي العراقي قبل أشهر. ورغم أن شروط «العراقي» كانت «أَلين»، لم يصمد إلّا اثنان من أصل 10 مصارف لبنانية كانت تعمل في السوق العراقية، خُفّض تصنيفها إلى درجة «التعثّر». يومها، فرض «المركزي العراقي» زيادة على ميزانيات المصارف اللبنانية بنحو 210 ملايين دولار، مشترطاً عليها الاحتفاظ بـ 70% من الودائع داخل العراق، و30% خارجه. أما إذا أرادت أن تودع 20% من رأس المال خارج العراق، فعليها إيداعها في مصارف تحمل تصنيفاً ائتمانياً درجة «B» (أي احتمالية لعدم السداد ومخاطرة عالية) وما فوق. ولم يسمح «المركزي العراقي» بتحويل الأرباح المحققة لثلاثة أعوام متتالية. ولأنّ ربحية المصارف اللبنانية، مقارنةً بالاستثمار، انخفضت في السوق العراقية خلال السنوات الماضية، وجدت أنّ «من الأوفر» لها، أن تُقفل فروعها على أن تلتزم بالشروط الجديدة.
المصارف التي تعذّر عليها الالتزام بشروط «مقبولة» في العراق، هل تصمد أمام قرار «المركزي القبرصي»؟
تلتزم قبرص «نظام ضمان الودائع»، وهو عبارة عن آلية تحمي حقوق المودعين وأموالهم إذا لم يفِ المصرف بالتزاماته تجاههم. وكل المؤسسات المالية العاملة في الجزيرة (ومن ضمنها المصارف اللبنانية)، مُجبرة على الالتزام بهذا النظام، وقد حُدّد مبلغ 100 ألف يورو ضمانة لكلّ وديعة. ولكن مع تعقّد الوضع في لبنان، لم يعد مبلغ الـ 100 ألف يورو كافياً لتوفير الأمان للمودعين في المصارف اللبنانية التي كبرت محفظتها بعد توقّف المصارف القبرصية عن التشدّد في فتح حسابات للبنانيين، وخصوصاً أصحاب الودائع الكبيرة، لأن لا قدرة مالية للمصارف القبرصية على توفير الضمانة للمودعين. أخبار الأزمة اللبنانية وصلت إلى قبرص، ومن ضمنها تبديد دولارات المودعين، وزيف الوعود بـ«إعادة تكوين» الودائع. لذلك، رفعت قبرص السقف وقرّرت إجبار المصارف اللبنانية على تكوين احتياطي في «المركزي القبرصي» مساوٍ لقيمة الودائع التي تحملها في فروعها في الجزيرة.

ستُجبر المصارف اللبنانية على تكوين احتياطي بنسبة 100% من حجم الودائع لديها


القرار القبرصي يتزامن مع اقتراب المُهلة (28 شباط 2021) التي حدّدها مصرف لبنان لتنفيذ التعميم الرقم 154، القاضي بزيادة رأسمال المصارف بنسبة 20% وإعادة تكوين ما يوازي 3% من قيمة الأموال المودعة لديها، في حساباتها لدى المصارف المراسلة في الخارج. القسم الأكبر من المصارف لم يلتزم بعد بزيادة الرأسمال، مع مُجاهرة مصارف من فئة «ألفا» بعدم نيّتها تنفيذ القرار قبل أن تعرف الوجهة الاقتصادية العامة للدولة، وكيفية استخدام رأسمالهم. يُضاف إلى ذلك، النقص الحادّ في السيولة لدى المصارف، وعمد بعضها إلى بيع شيكات بـ 36% من قيمتها الفعلية (تتحدّث معلومات عن أنّ النسبة انخفضت إلى 32%) لقاء الحصول على أوراق نقدية بالدولار لتكوين حساب الـ 3%، أو «جذب» ودائع بالدولار تُجمّد في المصرف بعد ضرب قيمتها بـ 2.9 مرة. فكيف ستتمكّن من تكوين 100% من قيمة ودائعها في قبرص كاحتياطي في المصرف المركزي القبرصي؟


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا