وزارة الخارجية والمغتربين بحاجةٍ إلى «نفضة» لا تزال مؤجّلة. الحديث المُكرّر عن عدم امتلاك الدولة اللبنانية لسياسة خارجية، أُضيف إليه اليوم ضرورة أن «يتضمّن أي مشروع إصلاحي في البلد، إصلاحاً للسياسة الخارجية أيضاً»، بحسب مسؤول في الوزارة. منذ سنوات طويلة، لم تكن الدبلوماسية اللبنانية إلّا انعكاساً لسياسة دولة تحصر علاقاتها بجهة دولية واحدة، رافضةً توسيع خياراتها، حتى ولو كان في ذلك مصلحة استراتيجية عُليا، باعتبار أنّه لا يُمكن القيام بأي خطوة «تُزعج» الولايات المتحدة وحلفاءها طالما أنّ لبنان مُرتبط جدّاً بـ«عالم الدولار». جزء من «المشكلة بنيوي وجزء يتعلّق بالعقل السياسي السائد»، يقول أحد الدبلوماسيين. فواحدة من أساسيات تطبيق الإصلاح هي «إعادة البحث في خلفيات السفراء الذين يتسلّمون المواقع السياسية الرئيسية داخل الوزارة». وحتى لو كانت «الواقعية» تفرض «الاعتراف» بأنّ هؤلاء السفراء لا يملكون الأدوات اللازمة للتغيير، إلا أنهم، في أحيانٍ كثيرة، يلعبون دوراً «مُعرقلاً» لبناء أي علاقة دبلوماسية «ندّية» خارج «النادي» الغربي - الخليجي. لا يَعَون أنّ المطلوب منهم ليس قطع أي روابط، «بل عدم ترك لبنان أسير جهة واحدة، تُعاقبه متى كانت لها مصلحة في ذلك».

تعتبر مصادر في «الخارجية والمغتربين» أنّ السياسة الخارجية لا تتعلّق فقط بالحكومة، «فللدبلوماسيين واجب أن يلعبوا دور رادارات الدولة، عبر التقارير التي يُرسلونها ويُفترض أن تتضمّن الاقتراحات والآراء وليس فقط سرد الأحداث، كما أنّهم يجب أن لا يكتفوا بتنفيذ السياسات المُنبثقة عن مجلس الوزراء». سببان يُفسّران طريقة تصرّف بعض الدبلوماسيين، بحسب المصادر: الأول، هو الجهاز البيروقراطي في الوزارة «الذي يُشبه الدولة. يغلب فيه الجناح الذي يُركّز عمله فقط على العلاقات مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة ودول الخليج. ينعكس ذلك في الانكفاء عن تطوير اتفاقيات تعاون مع دول أخرى، وفي المواقف المُتخذة خارجياً». أمّا الثاني، فيعود إلى أسلوب التدريب «الكلاسيكي» الذي لا يُشجّع الدبلوماسيين على تقديم الاقتراحات، «والتحفّظ المُبالغ به في إبداء الآراء»، وإضافةً إلى ذلك هناك «الهمّ الدائم في أن لا يُصوّر أيّ رأي على أنّه انحياز إلى فريق أكثر من الآخر».
الانهيار الاقتصادي - المالي، وأزمة تشكيل حكومة، لا يُلغيان أيضاً أولوية حلّ موضوع السياسة الخارجية. لا بل على العكس، تُعدّ المسألة الأخيرة في صلب التطورات في لبنان. فغياب دبلوماسية حقيقية وسياسة واضحة، يُعمّق من الفجوة اللبنانية، ويُثبّت واقع أنّ البلد حارة مفتوحة لشتّى أنواع التدخلات الخارجية، في وقت أنّ معظم الأزمات «حلّها خارجي أكثر ممّا هو داخلي، وتحديداً في الملفّ الاقتصادي»، بحسب المسؤول في «الخارجية». حلّت اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية الخليجية - «الإسرائيلية»، لتفرض تحدياً أساسياً أمام الخارجية اللبنانية (كسياسة وليس كجهاز)، ليس فقط بسبب خطورة الموضوع الجيو-سياسي، بل لوجود جاليات لبنانية كبيرة في تلك الدول، سيُفرض عليها التطبيع تحت تهديد الطرد الوظيفي والترحيل من البلد. الأعمال المباشرة بين لبنانيين وإسرائيليين بدأت، سواء أكان عبر عقد لقاءات عمل عن بُعد، أم التحضير لافتتاح مشاريع في الأراضي الفلسطينية المُحتلة. يتعامل اللبنانيون في الاغتراب مع الأمر على قاعدة: «لا حَول ولا قوّة»، وثمّة بينهم من اكتشف وجود إسرائيليين يتعامل معهم كانوا يُقدّمون أنفسهم بجوازات سفر أوروبية وأميركية. الدولة اللبنانية «تطمر» رأسها في التراب، مُصرّة على عدم «رؤية» التغيرات في المنطقة وانعكاساتها. تماماً كما لم «يتم التعاطي بجدّية مع تسريب الإمارات لخبر وقف التأشيرات للائحة من الدول العربية، من ضمنها لبنان، القاسم المُشترك بينها هو رفضها للتطبيع.

بدأت الأعمال المباشرة بين مغتربين لبنانيين في الإمارات وإسرائيليين

الضغط لم تعد له علاقة فقط بمسألة حزب الله وإيران، بل بفرض التطبيع على المنطقة كلّها، ولبنان يستمر في النكران والتمسّك بوهم أنّه قادر على إعادة تفعيل العلاقات العربية ببساطة»، يقول أحد الدبلوماسيين. اللافت أنّ المسؤولين في «الخارجية» يطرحون أسئلة يُفترض أن يُساءلوا هم حولها: «هناك إدارة أميركية جديدة تتحضّر لتسلّم السلطة، ووضع أسس جديدة للاتفاق مع إيران، وإطلاق حوار فلسطيني - إسرائيلي جديد، وزيادة عدد الدول المُطبّعة. أين لبنان من كلّ ذلك؟ هل ستنعكس الأحداث في التركيبة الجديدة للسلطة؟ وكيف تُفترض مواكبتها؟ نحن بحاجة إلى إعادة تموضع السياسة الخارجية اللبنانية والبحث باقتراحات وفتح أبواب جديدة في العلاقات الثنائية». لماذا لا يُعكس ذلك في النقاشات في الوزارة وفي توجيه تعليمات جديدة إلى رؤساء البعثات؟ «لأنّ الوقت لم يحن بعد لهذا الإصلاح. نقرأ التطورات ونُحاول فهم الأحداث، ولكن ليس بطريقة يُبنى عليها. الأمور بحاجة إلى تحديث على مستوى كبير».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا