الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات الكيميائية، كما هو معلوم، مسبّب رئيس لتلوث الغذاء والتربة والمياه الجوفية والأنهار والبحر. الكارثة التي حلّت بنهر الليطاني وبحيرة القرعون دليل واضح على ذلك… حتى كادت تضيع مكتسبات «الثورة الزراعية» المستخدمة للكيميائيات لمحاربة الآفات الزراعية وزيادة الإنتاج، إذ إن كلفة معالجة التلوث في النهر والبحيرة تصل الى أكثر من مليار دولار ستذهب هدراً على أي حال، لأن التلوث بـ«السينوبكتيريا» الذي يتغذى من الكيميائيات الزراعية، لم يعد قابلاً للعلاج، إلا بوقف كل مصادر التلوث و... إلغاء السد!

وتجدر الاشارة أيضاً إلى أن أحد أهم أسباب ردّ المنتجات اللبنانية التي تصدّر إلى الخارج، في السنوات الأخيرة، هو احتواؤها على ترسبات لمبيدات فوق المعدلات التي تسمح بها المعايير الدولية، ولا سيما الأوروبية. وبات هذا بمثابة حاجز جمركي مقنّع أمام تصدير المنتجات، وحائلاً دون استجلاب العملات الصعبة، ويهدّد بخسارة أسواق خارجية نحتاج إليها بشدة في ظل أزمتنا الحالية.
ليست الكيميائيات الزراعية، بالطبع، سبباً وحيداً لتدهور التربة وجعلها غير صالحة للزراعة على المدى البعيد، ولا سيما حين تستخدم في الزراعات التجارية المكثفة ولأكثر من موسم في السنة الواحدة. ففي بلد كلبنان، لا يمكن إغفال مشكلة المخلفات والردميات والنفايات المنزلية والصناعية الصلبة والسائلة والقطع العشوائي للغابات والحرائق والعمران على أنواعه، وأعمال المقالع والكسارات والمرامل العشوائية وشق الطرقات والبستنة التي تتطلب اقتلاع أشجار أو حرقها تمهيداً لتغيير اتجاهات استخدام الأراضي... ما يسهم إما في تغطية الأتربة بالاسفلت أو الاسمنت، أو في انجرافها إذا بقيت عارية من دون أشجار.
كذلك، تتأثر التربة بتغير المناخ، إذ إنها تسهم في امتصاص الكربون والحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري والتخفيف من التصحر. لذلك، فإن تراجع نوعيتها يعني تراجع القدرة على التخفيف من تغير المناخ، وتعرّض ما بقي منها للتحمض الكربوني أسوة بما يحصل للمحيطات، ما ينعكس سلباً على الحياة البرية والبحرية وعلى الأمن الغذائي أيضاً.


كما أن التهديد الذي يمثّله شق الطرقات وتوسعتها الدائمة ليس بسيطاً، في بلد لم يتبنّ، عمداً، استراتيجية بيئية أو استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة، وذلك لتسريع ما كان يسمى «إعادة الإعمار» التي أعطت الأولوية للبنى التحتية تشجيعاً للاستثمار، على حساب أي شيء آخر، خصوصاً البيئة والأتربة. هكذا، لا ذكر لمثل هذه الاستراتيجية في تلزيم مجلس الإنماء والإعمار شركة فرنسية لدراسة ترتيب الأرضي في لبنان تمهيداً لوضع المخطط التوجيهي لها. ولا وجود لدراسات أثر بيئي لمخططات شبكات الطرق، ولا سيما في القرى والسهول والمناطق الزراعية، علماً بأن الطرق العشوائية هذه أدّت الى تقطيع أوصال الغابات الى درجة لم تعد في لبنان مناطق مصنفة غابات، بل مجرد أحراج متقطعة، تقطع معها الكثير من الأنظمة الإيكولوجية المتكاملة.
وكانت مجلة «نيتشر» العلمية نشرت، عام 2014، دراسة توقعت زيادة مساحة الطرق الجديدة حول الأرض بنحو 25 مليون كيلومتر على الأقل بحلول عام 2050، نحو 90% منها في البلدان النامية، ولا سيما تلك الغنية بالتنوع البيولوجي الفريد، حيث تؤمّن النظم الإيكولوجية معظم الخدمات الحياتية للبشرية. كما رجّحت الدراسة أن تزيد مساحة الطرق عام 2050 أكثر من 60% عمّا كانت عليه عام 2010.
هذا «السباق العالمي على الاسفلت» (أكثر من 600 مرة من دائرة الأرض) لم يسبق له مثيل في تاريخ البسيطة وعلى حساب تربتها ومساحاتها الخضراء... وعلى حساب الأمن الغذائي العالمي. وهذا يعني أن كوكبنا الصغير قادم على كارثة مزدوجة: زيادة في استخدام السيارات (وبالتالي الانبعاثات)، وتناقص كبير في التربة والمساحات الخضراء. كل هذا في وقت تتوقع فيه تقارير المنظمة الدولية للأغذية والزراعة (فاو) تضاعف الطلب على الغذاء بحلول عام 2050.
أعطت سياسة «إعادة الإعمار» الأولوية للبنى التحتية على حساب البيئة والأتربة


عالمياً، لم يحدث الكثير لحماية التربة، باستثناء تسمية الأمم المتحدة تاريخ 5 كانون الأول يوماً عالمياً للتربة، وعام 2015 سنة دولية للتربة، ليعرف العالم أهمية التربة وخطورة تدهور حالتها في العالم.
ولبنانياً، لا وجود لأي دراسة حول وضع التربة. ولكن، بالنظر إلى حجم المناطق التي تصحّرت وأصبحت جرداء في السنوات العشرين الأخيرة، بسبب القطع والرعي الجائر وشق الطرق والتمدد السكاني، والى حجم رخص البناء وحركة العمران، ولا سيما في المناطق السهلية والزراعية، يمكن استشراف أي مصير ينتظر تربة هذا البلد وأمنه الغذائي. كما يمكن أن نتوقع، من خلال قرار السماح بالبناء من دون تراخيص ومن دون العودة إلى التنظيم المدني، ما الذي ستكون عليه الحال في السنوات المقبلة.
لو كانت هناك استراتيجية للتنمية المستدامة، لكان هناك ربط بين حماية المساحات الخضراء والتربة وبين السياسة السكانية والإسكانية، نظراً إلى ما للزيادة السكانية من أثر سلبي وضغوط على التربة ونوعيتها. فوفقاً لتوقعات «فاو» حول النمو السكاني العالمي الذي يفترض أن يتجاوز 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050 (ما سيؤدي إلى زيادة نسبتها 60 في المئة في الطلب على الغذاء والعلف والألياف)، سيكون هناك مزيد من الضغوط على موارد التربة المتاحة، وتلك المهدورة حالياً والمقدرة بـ33% من رقعة التربة الكلية.



بين التلوث والندرة


ليس التلوث والتآكل المشكلتين الوحيدتين اللتين تهددان التربة في العالم. فالأتربة المصنفة «نادرة» يرجّح أن تتحوّل سبباً لحرب تجارية مقبلة على مستوى العالم؛ إذ، كما بات معلوماً، تحتكر الصين إنتاج أتربة نادرة (بنسبة تقارب 80% من الإنتاج العالمي) تحتوي على معادن ثمينة ومهمة (17 معدناً) تستخدم في صناعة التكنولوجيات العالية والتكنولوجيات الصديقة للبيئة، مثل بطاريات السيارات الكهربائية ومراوح الهواء واللواقط الشمسية، نظراً إلى ما لهذه المعادن من قوة ومتانة. إلا أن صناعة استخراجها وتصفيتها وإزالة الشوائب منها، وتحويلها الى سبائك كالذهب، تعتبر ملوثة جداً، ولا تنتجها إلا الدول التي تضحي بالبيئة، مع الإشارة الى أن بلداً كلبنان، لا ينبت الصنوبر فيه الا في المناطق التي تحتوي على الرمال، يفترض التفكير جدياً في حمايتها والتفتيش عن بدائل لهذا النوع من التربة الذي سيصبح نادراً جداً في المستقبل القريب.


ضمانة الحياة
تراوح معدلات تدهور التربة بين «المعتدل» و«الحاد»، بسبب التلوث العام، والتآكل والانجراف، ونضوب المغذيات، والحموضة، والملوحة، و»التدمُّك»، والإجهاد، والتلوث الكيميائي. وتعتبر التربة الأساس لإنتاج الغذاء والأعلاف والوقود والألياف، ومن دونها لا يمكننا أن نضمن الحياة على وجه الأرض. وحيثما تُفقَد التربة لا يمكن تجديدها وفق جدول زمني بشري، ولذا فإن تصاعد المعدل الحالي لتدهور التربة يهدّد قدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا