أين الحق في السكن في ظلّ مسلسل الانهيارات التي يعيشها البلد؟ سؤالٌ بات مُلحّاً أكثر من أي وقتٍ مضى مع تعطّل منظومة المصارف التي اختزلت السياسة الوطنية السكنية عبر اللجوء إلى الإقراض السكني للتملّك، «ما حوّل أزمات الناس ومعاناتهم إلى قضايا فردية»، على ما جاء في بيان لـ«ائتلاف الحق في السكن»، صدر أخيراً.

«الائتلاف» فنّد سلسلة الأزمات، بدءاً من إفلاس المصارف وحجز الودائع، مروراً بالانهيار الاجتماعي الناجم عن تدهور سعر الصرف والتضخّم، فضلاً عن الانهيار الصحي الذي تفاقم بفعل فيروس كوروناً، وصولاً إلى انفجار بيروت «الذي قضى على أحياء برمّتها»، ليخلص إلى أن مُسلسل الانهيارات هذا «أضعف الحق في السكن الواهن أصلاً».
جوهر النقاش يتمثّل في ما خلص إليه «ائتلاف السكن» من أن «نزيف المآسي التي تعاقبت دلّ بما لا يحمل الشك على أن السكن اللائق والمستقرّ الذي يعزّز علاقات الناس بأحيائهم وشبكاتهم الاجتماعية والاقتصادية ويتناسب مع مداخيلهم صار من الضروري أن يكون إحدى دعامات العقد الاجتماعي الجديد». ولفت إلى أن استجابة السلطات للكوارث المتتالية التي نكبت البلد، أتت دون المطلوب وأحياناً ضارة، «فتمديد قانون المهل (160/ 2020) لم يتطرّق إلى أزمة السكن ككل كما استثنى الإيجارات القديمة، ما يساهم في تسريع وتيرة الإخلاءات». أما قانون تعليق تسديد القروض السكنية، «فلا يحمي المتعثّرين قبل تاريخ 1/7/2020 من الإخلاء. كذلك، لم تُربط الإعفاءات من الرسوم البلدية بأي آليةٍ لحماية الحقوق السكنية في الأبنية المؤجّرة. كما أن قانون حماية المناطق المتضررة جراء انفجار المرفأ ودعم إعادة إعمارها، تغيب عنه أيّ حماية للنسيج السكاني، ويختزل معالجة أزمة السكن بتمديد عقود الإشغال لسنة واحدة فقط، أي تأجيل إيجاد حل طويل الأمد للمشكلة».

يجب أن يكون السكن اللائق والمستقرّ إحدى دعامات العقد الاجتماعي الجديد


ولخّص الائتلاف الحلول بخطوات يمكن اتخاذها على فترات زمنية مختلفة، ومنها: أولاً، ضبط سوق الإيجارات عبر تحديد بدلات الإيجار وفق مؤشراتٍ تأخذ في الاعتبار تضخّم العملة والأجور، وفرض إبرام العقود بالليرة، وحماية المستأجرين من زيادة كلفة الإيجار وضمان استمرارية سكنهم، وحماية المستأجرين بلا عقودٍ من ممارساتٍ تهدد سكنهم أو تستغل شروط الإقامة والكفالة لغير اللبنانيين لترهيبهم وتهديد أمنهم السكني. وثانياً، اتباع سياسة صفر إخلاء، عبر إقرار برنامج دعم المالكين والمستأجرين ذوي المداخيل المحدودة وتأمين سكن بديل بظروفٍ مناسبةٍ لكل حالة، وإقرار آلية لحماية جميع المتعثّرين في دفع أقساط قروضهم السكنية. وثالثاً، حماية السكان في المناطق المتضررة من الانفجار عبر ضمان عودة الجميع إلى مساكنهم من خلال تحمّل الدولة تكاليف إعادة التأهيل، وتسريع إعادة التأهيل وإشراك السكان في العملية، وتمديد الإيجارات طيلة فترة إعادة التأهيل والترميم، والحدّ من المضاربة العقارية في المناطق المتضررة وحماية السكان من الاستغلال. هذا على المدى القصير. أما على المدى المتوسط، فيفترض وضع نظامٍ ضرائبي مدروسٍ على الشقق الخالية بالترافق مع برامج سكنيةٍ وإجراءاتٍ أخرى، وفرض نظام ضريبي لحثّ المالكين على تأجير شققهم ضمن مهلة زمنية معينة، وبعد مرور المهلة، وضع آلية لإشغال جميع الشقق الخالية في المباني التي شُيّدت بعد عام 1992، وربط الضرائب بتمويل برامج للسكن الميسّر، ودعم المالكين الصغار والقدامى في إعادة تأهيل الأبنية بهدف عرضها للإيجار. كما يفترض تفعيل دور البلديات في تأمين السكن الاجتماعي وصيانة الأبنية ضمن نطاقها، وتحويل جزءٍ من أملاك البلدية إلى مشاريع للسكن الاجتماعي، وإطلاق مشروع صيانة الأبنية القديمة لحفظ سلامة السكان والسلامة العامة وحماية السكان المهدّدين بالإخلاء بذريعة تصدّع المباني، وتخصيص موازنةٍ لبرامج سكنيةٍ تزيد من مخزون السكن الميسّر في المدينة، وإطلاق ورشةٍ وطنيةٍ لوضع قانونٍ شاملٍ يضمن الحق في السكن وينظّمه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا