بقدر أهمية مناقشة قانون الانتخابات النيابية، يضيف مشهد الانقسام الطائفي المغطى سياسياً حول اقتراح القانون المطروح للنقاش في مجلس النواب، وجهاً آخر إلى وجوه الانقسامات التي بدأت تظهر في الآونة الأخيرة.

لا يحتاج الرئيس نبيه بري إلى من يدلّه على مكامن الانقسامات وهو الذي رافقها منذ صعوده السياسي إبان الحرب، قبل اتفاق الطائف وبعده، ولا يحتاج أيضاً إلى التكهّن بأن ما يطرحه سيثير هذا الجو الانقسامي الحادّ. من هنا لا يمكن قراءة إصراره على وضع القانون الحالي، في توقيت الانهيار الاقتصادي والصحي والمعيشي، إلا من خلال استكمال الخط المرسوم في مرحلة ما بعد الطائف، والذي انكسرت حدّته بعد عام 2005 تصاعدياً إلى انتخابات عام 2018، مروراً بما حمله تشكيل الحكومات من ضغط التكتلات النيابية الخارجة عن الاصطفاف المعمول به منذ التسعينيات في ظل الترويكا وملحقاتها السياسية. ما أفرزه القانون الحالي، «نافر» لدرجة تشكيل مجموعات خارج قيد أركان ما بعد الطائف، لمصلحة قوى سياسية أخرى، بالمعنى الأوضح، التيارات المسيحية التي سحبت معظم المقاعد من أيدي حلفائها وخصومها. خطورة المواقف الحادّة الأخيرة في نقاشات مجلس النواب، أنها أظهرت الانقسام الطائفي مجدداً، بعد شهور من استعادة شعارات الفيدرالية تحت عنوان «اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة»، وتعزّز بعد انفجار المرفأ، والكلام حتى عن أداء بلدية بيروت التي تعاملت مع الانفجار على أنه حصل في «بيروت الشرقية». وخطورته أنه سيتجلى في شكل حادّ أكثر إذا ظل الإصرار على السير في الاتجاه الذي يريده بري وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، وكل منهم بمقدار معين من الضغط. وقد يكون من حسن الحظ في هذا التوقيت أن القوى المسيحية، ولا سيما القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، على خلاف سياسي حادّ في كثير من الملفات. لأن أي مواجهة سياسية في ظل تحالف متين كتفاهم معراب مثلاً، كانت لتترجم في شكل أكثر حدّة مستعيدة انقسامات الحرب الطائفية. فيما هما اليوم لا يلتقيان إلا على ملفات محددة ذات صبغة طائفية. لكن هذا الالتقاء جعلهما في الأيام الأخيرة يرفعان سقف رسائلهما. فكلام القوات والتيار في المجلس النيابي وخارجه عن المسّ بالنظام السياسي، ليس أمراً عابراً، لأنه يعكس المخاوف الحقيقية من أن مناقشة قانون الانتخاب ليست مجرد عملية تقنية تتعلق بحسابات الدوائر والمقاعد، بل هي أبعد من ذلك، ما استوجب تضامنهما في لحظة استراتيجية. ومَن راهن على أن موقف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل سيكون أكثر طواعية بعد العقوبات الأميركية، شهد العكس، لأن «حقوق المسيحيين» هي العنوان الذي بنى عليه شعبيته الداخلية، وأي تراجع يسجله يشكل بالنسبة إليه نقطة ضعف داخلي، ولا سيما في ظل إصرار القوات على رفع سقف المواجهة في قانون الانتخاب. والطرفان يعوّلان على الانتخابات النيابية وتشكيل المجلس النيابي الذي سينتخب رئيس الجمهورية المقبل، مع ما يعنيه هذا الاستحقاق من أهمية قصوى لكليهما. من هنا لا يمكن لأيّ منهما التراجع عن موقفه، لا قياساً إلى «الأسئلة» عن إمكان المسّ بالنظام السياسي الحالي ومستقبله، أو إلى حشد الإجماع المسيحي حول معركة انتخاب مجلس عام 2022 وتحقيق الأكثرية فيه.
ومحاولة التخفيف السياسي من حدّة طرح القانون وتوقيته، لا تعني أن ما جرى لا يستوجب الحذر. لذا يظهر دور حزب الله في صورة مكبّرة بعدما تعامل مع الملف برويّة. ورغم أن خصوم الحزب يعتبرون أنه لا يمكن لبري أن يقوم بخطوة كهذه بعيداً عن الحزب، إلا أن أداء الأخير يعكس منحى آخر. إذ أنه مدرك لخطورة أي كباش سياسي له صبغة طائفية قد يهدد الوضع الداخلي. هذا ليس توقيتاً مناسباً في مرحلة درس الخيارات وانتظار انقشاع المنحى الأميركي الجديد وتداعيات تحولات المنطقة. إضافة إلى أن خيار الحزب الداخلي يأخذ منذ سنوات قليلة منحى استيعابياً. فتجربة 7 أيار عام 2008، أوصلت إلى مؤتمر الدوحة الذي حقّق فيه الحزب مكاسب، لكنه أيضاً جعله يقدّم تنازلات لم يكن راضياً بها. تجربة العمل البارد وليس الساخن، أثبتت نجاحها أكثر، مع انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، وقانون انتخاب على أساس النسبية للمرة الأولى وحليف هو التيار المسيحي الأكثر تمثيلاً، وحكومات يرتاح إليها بالمطلق ويملك فيها رصيداً قوياً. لم يدخل الحزب الذي يقول خصومه إنه وضع يده على البلد، في مواجهات سياسية مباشرة، لا بل استوعب مواقف حلفائه والقوى الصديقة والخصوم، ماشى عدم تسمية الرئيس سعد الحريري، رغم أن الجميع يعرف التسوية التي قام بها، أيّد التدقيق الجنائي، وحاول امتصاص أي ردات فعل على قانون الانتخاب يُفهَم منها إحداث شرخ طائفي. هذا لا يقلّل من إمساكه بأقفال ومفاتيح اللعبة الداخلية، لكنه أسلوب آخر في عدم تصعيد الوضع الداخلي والهبوط بالملفات الساخنة هبوطاً ناعماً. وحالياً من الأفضل امتصاص طرح تغيير قانون الانتخاب بدل إيصال البلد إلى فوهة البركان بسرعة أكبر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا