لا للتعليم عن بعد في لبنان قبل 2030، أو أقلّه قبل تحقيق مستلزمات ضمان جودته، وإلاّ سيشكّل الأمر ضربة للتربية ولصورة التعليم في لبنان. نعم للتعليم والتعلّم عبر الإنترنت بأشكاله الناجحة، كالتعليم المدمج والتعليم الهجين، علماً بأن بعض «الدكنجييّ» يخلطون بين الاثنين! كما يخلطون بين التعليم المتباعد والتعليم عن بعد، وهذا ما يجعلنا نركز على مفهوم المزارع التربوية، انطلاقاً من التجارب على أرض الواقع ومن الدراسات العالمية. ولا نستخدم، هنا، مفهوم المزارع بشكل سلبي. فكما تطوّرت نظريّة الهمبرغر لتصف الجيل الجديد بأنه يريد كل شيء، الآن، ومن دون عناء ... هكذا تطوّر مفهوم المزارع التربويّة في العالم لوصف تجارب المؤسسات التربويّة التي أجبرتها جائحة كورونا على الاهتمام بالتعليم المتباعد. فالصراع القائم على تقسيم حصة التدريس بين وقت للتعليم المتزامن ووقت للتعليم غير المتزامن من جهة، وبين نسب التعليم (وجود المعلّم أو المعلّمة) والتعلّم (الوقت الذي يتعلّم فيه الطالب من دون معلّم) من جهة أخرى، كاف ليرينا أن تقسيم الأسبوع أصبح كقطعة أرض باستطاعتنا تلوينها كما تتلوّن الأرض المزروعة بعدة أنواع من الحبوب. فكيف إذاً عندما ندمج بين الصف المعكوس، والصف التطبيقي في المختبر، مع المشاغل والأعمال التطبيقيّة وأوقات المشاريع؟ وهذا يقتضي الاهتمام بضمان جودة التعليم والتعلّم عبر الإنترنت التي يجب أخذها في الاعتبار وضبط الأمور من جهة وزارة التربية.

ما بعد جائحة كورونا سيعيش العالم بأسره تطوّراً ملحوظاً من خلال ما يسمّى «The Next Normal» (العادي الجديد)، لأننا لاحظنا أن العمل من المنزل أسهم في تطوّر اقتصاد الأوطان والحفاظ على مستوى القدرة المعيشية. وما على المؤسسات التربوية، جامعيّة كانت أو مدرسيّة، إلا أن تعدّ طلابها للنجاح في حياتهم الاجتماعية وعملهم من خلال تفاعلهم الإيجابي مع التكنولوجيا الرقميّة.
دعونا نتعرف إلى بعض المصطلحات:
-التعليم عن بعد: أي التعليم 100% خارج الصف. فشل التعليم عن بعد في الدول العربيّة عموماً، إذ إن صورته قاتمة وسمعته سلبيّة، ربما لأن المفاهيم المبنيّة عليه خاطئة، نتيجة طواحين الشهادات الوهميّة. كما فشل أيضاً لأن مؤتمر وزراء التعليم العالي طلب أقلّه نسبة 25% للتعليم الحضوري في الصف لأي اختصاص.
-التعليم والتعلّم عبر الإنترنت: نجح التعليم والتعلّم عبر الإنترنت لأنه أسهم في إنجاح التجدّد التربوي انطلاقاً من المؤسسة التربويّة. ونجحت بالأخص نماذج التعليم والتعلّم المدمج. ونشدّد على أهمية ضمان الجودة من المشرّع وضبط الجودة من وزارة التربية، لأنه ليست كل مزارع لبنان واعية لما تقدّمه من سموم إلى المواطن والوطن. وهذا ما يشكّل مشكلة كبيرة في المواطنيّة!
- التعليم المدمج ليس بحاجة إلى أن يكون خارج المؤسسة التربويّة، لكن هناك نسبة حضور وجهاً لوجه أمام المعلّم أو المعلّمة، ونسبة تعلّم عبر الإنترنت في مختبرات المؤسسة التربوية ومن دون حضور المعلّم أو المعلّمة.
مع جائحة كورونا أجبر المواطن على البقاء في المنزل، فكان المكوّن المستقل عبر الإنترنت ممكناً من خلال التباعد الجسدي خارج المدرسة (في المنزل مثلاً)، وسمّي «التعليم المتباعد»، أو «Remote Learning»، وهو يمثّل جزءاً من التعليم المدمج عندما يكون التعليم والتعلّم خارج المؤسسة التربويّة.
- التعليم الهجين «Hybrid Learning» يجمع بين التعليم المدمج والتعلّم الشخصي من المنزل. وهذا ما يمكن استخدامه في حال مرض أحد الطلاب. ولكنه يشكّل جواب الأهل الذين يرفضون ذهاب أولادهم الى المدرسة بسبب كورونا. فضمن استراتيجيّة التعليم الهجين للمدرسة توجد إمكانيّة التعلم لبعض الطلاب ومتابعة دراستهم من المنزل فقط، بينما البعض من رفاقهم في الصف يتابع التعلّم ضمن نموذج التعليم والتعلّم المدمج.
لم تتخطّ نسبة نجاح تجربة التعليم المتباعد في لبنان الــ 10%، وهذا يعني أن 90% من المؤسسات التربويّة على الأقل لم تكن جاهزة لتحدّي التعطيل القسري الجديد. وأسهم في ذلك بطء الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي وعدم وصول الطلاب كما يجب إلى مواقع تربويّة تعليميّة وتعلّميّة معتمدة على أنظمة إدارة التعلّم. خلط مديرو المدارس بين منصات إدارة التعلّم ومنصة مايكروسوفت تيمز Teams في العمل التربوي، فكلها مثلّت الشيء نفسه... وهذا أساس الفشل في تجربة فصل الربيع الماضي.
السبب الرئيسي للفشل في المؤسسات الجاهزة تكنولوجيّاً هو عدم جاهزيّتها التربويّة. فالجاهزيّة التربويّة تستوجب الاستثمار المستمر، وعلى المدى الطويل، في الكادر الإداري والهيئة التعليميّة. والبعض منهم يحتاج إلى التدريب على استخدام الإنترنت والأجهزة، أو / ونظام إدارة التعلّم، والأدوات والتطبيقات، وكتابة المحتوى الرقمي، وطرائق التعليم عبر الإنترنت، وطرائق التقييم والتقويم عبر الإنترنت، وغيرها من تدريبات ضرورية لإنجاح العمليّة التعليميّة.
هناك فرق كبير بين الجودة وضمانها. أقلّه، لدينا خمسة مفاهيم للجودة: فالجودة الصناعيّة مثلاً هي إنتاج منتجات تصل جودتها إلى حدّ الكمال. وهناك جودة النخبة، إذ شهد العالم عبر التاريخ مؤسسات تربويّة تقبل نخبة الطلاب مثلاً وليس سواهم. وهناك جودة تهتمّ بتحقيق رؤية المؤسسة ورسالتها. ونعرف مؤسسات ربحيّة تمثل الجودة بالنسبة اليها الاهتمام بالعائد على الاستثمار. وهناك النوع الخامس الذي يفرض نفسه في أيامنا، وهو الجودة التحويليّة، وهذا ما يتطلّبه عصرنا الرقمي اليوم من تحوّل رقمي في الحقول كافة: إداريّة واقتصادية وإنتاجيّة وتعليميّة وغيرها.

90% من المؤسسات التربويّة لم تكن جاهزة لتحدّي التعطيل القسري


أما ضمان الجودة فهو جزء من إدارة الجودة، ويركز على توفير الثقة الداخليّة للإدارة والثقة الخارجيّة للأطراف كافة في تلبية متطلبات الجودة. وهذا يختلف تماما عما على الوزارة الاهتمام به، وهو ضبط الجودة.
لذلك، عندما نتكلّم عن ضمان الجودة، نتكلّم عن هيئة مستقلّة - نتمنى التشريع لها قريباً - تهتم بدراسة ضمان جودة المؤسسات والبرامج والمقررات، وإرساء المعايير اللازمة والإيقاعات المطلوبة من أجل جودة التعليم والتقييم والأبحاث العلميّة.
من المتّفق عليه عالمياً أن هناك تقييماً على صعيد المؤسسة، وتقييماً على صعيد البرامج (تقييم خاص لكل اختصاص). ولكن هناك أيضاً معايير لكل نوع من طرائق التدريس. فهناك إطار مرجعي للتعليم المفتوح، وآخر للتعلّم الإلكتروني، وثالث للتعليم والتعلّم المدمج.
لو كانت المؤسسات التربويّة جاهزة تكنولوجياً، وتربويّاً وعلى صعيد الجودة، لكان اهتمام المديرين والمعلمين والمعلمات بالتركيز على جاهزيّتهم في التطوير والدعم العاطفي. ولكن عدم جاهزيّتهم جعلتهم ينقلون توترهم إلى الأهل والطلاب. وهذا أحد الأسباب للفشل الذريع في تأمين استمرارية العمليّة التربويّة. ولإنصاف المعلّمين والمعلّمات علينا العمل على تدريبهم من أجل جاهزيّتهم، وهذا ما يتطلّب استراتيجيّة تربويّة بعيدة المدى، انطلاقا من تشريع غير استثنائي.
إن المتابع لتطّور عمليتي التعليم والتعلّم عبر الإنترنت يعرف جيداً أن النجاح في هذا الأمر له شروطه وضوابطه، وهذا ما حاولنا اختصاره ضمن الجاهزيّة التكنولوجيّة والجاهزيّة التربويّة وجاهزيّة ضمان الجودة وجاهزيّة التطوير والدعم العاطفي التي فرضت جائحة كورونا وضعها من بين الأولويات، علماً بأن الدول الصناعيّة الكبرى تتطلب ضمن الكفايات المطلوبة من كل متخرّج كفاية الذكاء العاطفي.

* خبير في تحديث التعليم وتطويره

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا