تتزامن الذكرى السنوية لعملية أنصارية هذا العام مع محطة جديدة في سياق بلورة معادلة الردع التي نجح حزب الله في فرضها على كيان العدو لحماية لبنان والمقاومة. مع ذلك، تبقى لمرحلة التسعينيات ميزة التأسيس للمعادلات التي تراكمت تباعاً. يعود ذلك الى أن مقاومة حزب الله في التسعينيات من القرن الماضي، تميّزت بأنها لم تكن موسمية، بل كانت متواصلة ومصممة حتى عندما كانت الأجواء السياسية التسووية تدفع الى تثبيط العزائم. ولم تكن مقاومة لإثبات المشاركة، بل كانت مقاومة جادة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، لذلك كان ولا يزال الجانب السري فيها أوسع نطاقاً وأعمق تأثيراً. ولم تكن مقاومة محدودة التأثير، والدليل الأبلغ التحرير نفسه، وأيضاً ردود فعل العدو، بكل مؤسّساته السياسية والاعلامية والاستخبارية والعسكرية على عملياته...

ما يضفي على عملية أنصارية («نشيد الحَوْر»، كما سماها الجيش الإسرائيلي) المزيد من الاهمية، أنها كانت في مواجهة خطة عسكرية تبنتها قيادة جيش العدو لمواجهة حزب الله، بعدما خلص رئيس الاركان امنون شاحاك، وقائد المنطقة الشمالية اللواء عميرام ليفين، في حينه، الى أن حزب الله ليس فقط منظمة «إرهابية» بل أيضاً منظمة حرب عصابات. وينبغي في ضوء ذلك مواجهته بتكتيكات مشابهة. وهو ما أشار اليه ايضاً قائد قوة «إيغوز» في الحزام الامني (1997 - 1999) العميد تشيكو تامير، وصاحب أهم كتاب عن تجربة الحزام الأمني «حرب بدون أفق». من هنا كانت عملية الكوماندوس البحري، «شييطت 13»، امتداداً لسلسلة عمليات نفذها جيش العدو ضد كوادر وعناصر حزب الله على امتداد أكثر من سنتين، وأدت في حينه الى سقوط العديد من الشهداء والجرحى. لكن عملية أنصارية في الليلة الواقعة بين يومي 4 و5 أيلول/ سبتمبر 1997، والتي قُتل خلالها 12 جندياً وضابطاً: 11 من مقاتلي «شييطت 13» وطبيب من فرقة الإنقاذ، أطاحت هذا التكتيك العسكري الذي راهن عليه جيش العدو بأنه سيؤدي الى إرباك مقاومة حزب الله، وشل قدرته على المبادرة العملانية وتحويله الى الدفاع بهدف الحفاظ على كوادره وعناصره.
لم يكن سهلاً على جيش العدو واستخباراته الإقرار بأن كمين أنصارية كان نتيجة معلومات مسبقة استطاع حزب الله الحصول عليها نتيجة اختراق غير مسبوق في تاريخ المقاومة لأجهزته الاستخبارية، فشكل أربعة لجان تحقيق تدرجت استنتاجاتها على مدى ولايات ثلاثة رؤساء أركان، الى أن اضطر جيش العدو إلى الإقرار في أعقاب كشف الأمين العام لحزب الله عن شريط مصور يثبت بشكل قاطع اختراقه لبث الطائرات المتعلق بالتمهيد للعملية.
على وقع الصدمة، أجرت الاستخبارات العسكرية برئاسة موشيه يعلون في حينه، جلسة تقدير في اليوم التالي على العملية، وحاولت الإجابة عن سؤال قد يضعها الجواب عنه في موقع المتهم والفاشل. وخلصت في حينه الى أن حزب الله لم يكن يمتلك أي معلومات في الوقت الحقيقي عن وجود القوة العسكرية في المنطقة، وأن ما جرى كان نتيجة انفجار العبوة التي كان يحملها الجنود.
لكن هذا التقدير لم يصمد طويلاً، وكان من السهولة دحضه، حيث كشف الطب الشرعي في كيان العدو عن أن أجساد جنود القوة التي قتل أغلب عناصرها كانت مصابة بكرات معدنية. والأمر نفسه ينسحب على المعدات التي كانت في حوزة الجنود. وهكذا بات مسلماً به أن مقتل الجنود كان نتيجة عبوات أعدّها حزب الله مسبقاً، أدت أيضاً الى تفجير العبوات التي كانت تحملها القوة الإسرائيلية.
وتعززت هذه النتيجة في ضوء ما خلصت اليه لجنة التحقيق الاولى برئاسة اللواء غابي اوفير، التي استندت أيضاً الى صور أشعة للعبوات التي كانت تحملها قوة «شييطت 13»، ولأرقامها أيضاً. وهو إجراء روتيني كان رئيس أركان الجيش، شاحاك، قد أقرّه لتأكيد تدابير الأمان. وأكثر من ذلك، زارت اللجنة أيضاً موقع إنتاج العبوات الناسفة، ورأت عن كثب أنه لا إمكانية إطلاقاً لإضافة كرات أو أيّ قطع أخرى إضافية إليها، إضافة الى إجراءات أخرى حذفت أي احتمال خطأ في هذا المجال.
وهكذا سقطت نظرية الاستخبارات العسكرية، التي استبعدت في البداية الكمين المسبق، وخلصت اللجنة الى أن مقتل الجنود كان نتيجة عبوات مزروعة مسبقاً. لكن السؤال الذي بقي يسيطر على المؤسستين العسكرية والاستخبارية، لماذا نصب حزب الله كميناً في تلك المنطقة، وهل كانت نتيجة معلومات أو تقدير، أو كان كميناً عشوائياً.
كانت هناك مجموعة آراء داخل لجنة أوفير، لكنها خلصت في النهاية الى تبني فرضية أن الكمين كان عشوائياً وعرضياً، ولم يكن مخططاً له مسبقاً. ولأهمية هذه المسألة عاد رئيس الأركان، شاحاك، وألّف لجنة أخرى، برئاسة العميد غادي زوهر، بناءً على توصية طلب النائب العام العسكري آنذاك، العميد أوري شوهَم، لكنها خلصت أيضاً الى النتائج نفسها بخصوص العبوات. مع ذلك، فقد كان لديها ميل إلى احتمال أن يكون حزب الله قد اخترق طائرات الاستطلاع. لكن رئيس الاركان شاحاك رفض هذه الفرضية، الأمر الذي أبقى على نتيجة اللجنة الاولى، بأن الكمين كان عرضياً.

خلصت لجنة التحقيق الإسرائيلية إلى أن ما قدمه نصرالله يمثل دليلاً لا يرقى إليه شك


بعدما أنهى شاحاك مهام منصبه ألّف رئيس الاركان الجديد شاؤول موفاز، في كانون الثاني من العام 1999، لجنة تحقيق ثالثة برئاسة الرئيس السابق لوحدة الاركان العامة الخاصة «سييرت متكال»، العميد غيورا زوريع، للتحقيق في مسألة تسرب المعلومات الى حزب الله، التي تحوَّلت الى الهم الاساسي، لكونها تحسم مجموعة مسائل تتفرع عنها أيضاً.
انقسم أعضاء اللجنة في استنتاجاتهم، لكن تمّ رفض ما خلص اليه أحد أعضائها الذي حسم فرضية أنّ البث المكشوف من الطائرة من دون طيار قد تسرّب، كما يبدو، ولذلك لم تكن لدى «حزب الله» أيّ مشكلة في دراسة مسار التنقل المخطط لقوة الكوماندوس البحري. لكن رأيه لم يلق القبول.
بقيت حالة التجاذب والحيرة سائدة الى حين كشف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في العام 2010، في خطاب متلفز عن شريط مصور ينطوي على دليل ملموس ومهني وحاسم، بأن حزب الله اخترق بث طائرات إسرائيلية من دون طيار، وهو ما يُفسّر كمين العبوات التي نصبها بانتظار القوة الاسرائيلية. أدى هذا الكشف الى حصول عاصفة في إسرائيل. وعلى إثرها، أصدر رئيس الأركان آنذاك، غابي أشكنازي، أوامره إلى سلاح البحرية وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» بتأليف لجنة تحقيق رابعة، تناط بها مهمة فحص المواد التي عرضها «حزب الله» والتأكد من مدى أصالتها وموثوقيتها. ترأس تلك اللجنة العقيد (احتياط) كوبي أغمون، الذي كان شغل في السابق، حتى ما قبل نحو أسبوعين من العملية في أنصارية، منصب ضابط الاستخبارات في «شيّيطت 13». واستعرضت اللجنة جميع أرشيفات الأشرطة التي صورتها الطائرة من دون طيار في تلك الفترة، وحللت الشريط الذي عرضه «حزب الله» وخلصت في النهاية إلى أن ما قدمه السيد نصر الله يمثل دليلاً دامغاً لا يرقى اليه شك، ويعني ذلك أن حزب الله حصل على المعلومات عن العملية عبر اختراق بث طائرات الاستطلاع. وقدرت اللجنة أيضاً بناءً على بعض المعطيات المهنية أنه كان بيد حزب الله أشرطة تصوير لمدة تزيد على خمس ساعات، تشمل تفصيلاً دقيقاً لمسار جنود الوحدة كما كان مخططاً، وكل ذلك تمّ، بحسب التعبير المهني الاستخباري، في الوقت الحقيقي. والنتيجة الأخرى التي خلصت اليها اللجنة أيضاً، أن «توقيت العملية الدقيق لم يكن معروفاً (من قبل حزب الله) ومن المرجّح (في ضوء ذلك) أن الكمين كان هناك لبضع ليال» الى حين تنفيذ العملية.
بعد كل هذه الفحوصات والدراسات، تم عرض النتائج أمام القيادات المعنية التي أجمعت عليها من دون تحفظ أو اعتراض أو تشكيك، وهي رئيس الاستخبارات في سلاح البحرية آنذاك العميد (احتياط) بارون ليفي، وقائد سلاح البحرية اللواء إليعيزر مَروم (تشيني)، ورئيس قسم العمليات يعقوب أياش، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) عاموس يادلين، ورئيس هيئة أركان الجيش غابي أشكنازي. وأصبحت الخلاصة التي انتهت إليها لجنة أغمون الصيغة الرسمية المعتمدة لدى جيش العدو.
مع ذلك، تبقى كلمة لا بد منها، ليس من الصعوبة التقدير الى حدّ الجزم بأنه لا يزال هناك الكثير من الجوانب السرية التي لم يتم الكشف عنها، ولكن حزب الله كعادته شديد الكتمان في كل ما يتعلق بإنجازات المقاومة حتى بعد مضيّ عقود عليها، وهو أحد أسرار نجاح مقاومته في مواجهة كيان العدو. ونتيجة هذا المبدأ، كان لكل عملية كشف بادر إليها سياقها المدروس والهادف، المستند الى رؤية وتقدير يتصلان بالمرحلة التي يتم فيها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا