يوم الثلاثاء الماضي، وقّع وزير المالية غازي وزني العقد مع شركة «Alvarez» المكلفة بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، بالتوازي مع توقيعه عقدين للتدقيق المحاسبي مع كل من Oliver Wyman وKPMG. لم يكد يمرّ يومان حتى بدأت حملة عونية تتهم وزني بإجراء تعديلات جوهرية في المسودة النهائية للعقد، التي سبق أن أطلع رئيس الجمهورية عليها. وصل الأمر إلى حد التهديد بإعادة التفاوض مع الشركة على بنود جديدة، عند تأليف الحكومة الجديدة.

الاعتراض الأساسي لدى مصادر عونية مرتبط بتغييب مجموعة «ايغمونت» عن العقد. وهي المجموعة التي كانت هيئة الاستشارات والتشريع قد طالبت بالاستعانة بها «بغيّة عدم عرقلة عمل شركة ألفاريز والاطّلاع على مدى تقيّد هيئة التحقيق الخاصة بالقواعد الالزامية لعملها والمفروضة من المجموعة نفسها، على اعتبار أن من المحتمل جداً أن يتقاطع عمل الشركة مع عمل هيئة التحقيق الخاصة، بما يسمح للمجموعة بدور فاصل في النظر بأمر عدم تعاون الشركة مع طلبات الشركة».
بحسب المعلومات، فإن النسخة التي تجري الإشارة إلى تسلمها من قبل رئيس الجمهورية هي نفسها التي ناقشها وزير المالية معه عندما زاره في 24 آب الماضي. وزني نفسه يشير في البيان الذي أصدره أمس أنه التزم بالملاحظات الأربع التي عرضها عون عليه، وأبرزها تمثيل هيئة الاستشارات في اللجنة المعنية بمتابعة عمل الشركة، بصفتها المستشار القانوني للدولة (إلى جانب ممثل عن وزارة المالية وممثل عن مصرف لبنان)، وجعل الانكليزية لغة التحكيم. لم يشر وزير المالية إلى أن إدخال «إيغمونت» إلى العقد كان واحدة من الملاحظات الرئاسية، بالرغم من أن ذلك كان اقتراحاً من هيئة الاستشارات من سلسلة اقتراحات وملاحظات قدّمتها الهيئة.
وزني أشار إلى أنه أخذ بأغلب هذه الملاحظات، باستثناء تلك المتعلقة بمجموعة «إيغمونت»، للأسباب التالية:
فوّضت الحكومة إلى وزير المالية توقيع عقد التدقيق الجنائي مع شركة Alvarez ولم تطلب منه التفاوض مع طرف ثالث أي مجموعة Egmont.
العقد مع Alvarez هو تدقيق جنائي لمصرف لبنان بينما مجموعة Egmont هي منتدى أو منظمة عالمية مثل مجموعة العمل المالي وصندوق النقد الدولي مؤلفة من 165 وحدة استخبارية مالية هدفها تبادل المعلومات المالية والتدريب وعمليات تبييض الاموال وتمويل الارهاب ولبنان عضو فيها عبر هيئة التحقيق الخاصة.
هذه المجموعة ليس لها علاقة بالتدقيق الجنائي وغير معنية بالعقد.
وكان لافتاً أن وزني ردّ على منتقديه بالإشارة إلى أن «الفضيحة الكبرى هي من أصرّ على زج اسم مجموعة Egmont في العقد وما هي أهدافه وأسبابه». كما سأل هل أخذ المطالبون بزج مجموعة «إيغمونت» في العقد برأيها أو موافقتها إذا ما كانت تودّ المشاركة؟
تلك نقطة يكررها أيضاً النائب السابق لحاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري، مشيراً إلى عدم اختصاص «إيغمونت» في التحقيقات الجنائية، المعنية برسم سياسات تشجّع على تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء. لكن حسماً للجدل، يقول بعاصيري، الذي كان أميناً عاماً لهيئة التحقيق الخاصة، إن أقصر الطرق هو توجيه كتاب رسمي للمنظمة لسؤالها عن إمكانية المشاركة في التدقيق الجنائي، أو حتى سؤال هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان عن دور هذه المنظمة. يبدي بعاصيري ثقته بأنها لن توافق على طلب من هذا النوع، لأنه لم يسبق أن تدخلت في أمر كهذا.

وزير المالية رفض تعيين اللجنة المشرفة على تنفيذ العقد


بحسب مصادر وزارة المالية، فإن المستشار القانوني الذي تعاقدت معه الحكومة عقب إعلان التوقف عن سداد الديون، أي شركة كليري غوتليب، كانت هي التي اقترحت عدم إدخال «إيغمونمت» في العقد، الذي وقّعه وزير المالية وسلك طريقه نحو التنفيذ، بالرغم من إعلان وزني أنه لن يطلب من شركة Alvarez المباشرة في عملها ولن يؤلف اللجنة الثلاثية التي نصّ عليها العقد لمتابعة التدقيق المالي وسيترك هذه المهمة للحكومة الجديدة. بحسب مصادر قانونية مطّلعة على العقد، فإن مسألة طلب مباشرة العمل ليست شرطاً لبدء التنفيذ. فبعد التوقيع مباشرة صارت الشركة مضطرة إلى مراسلة مصرف لبنان لتطلب منه المستندات التي تحتاج إليها لتبدأ عملها. وبالتالي، فإن تأخير تأليف اللجنة التي يفترض أن تتابع عمل الشركة، لن يكون في موقعه القانوني، لأنه يمثّل تقصيراً في تنفيذ العقد، الذي يبدأ فعلياً بعد تسلّم الشركة المستندات من مصرف لبنان وتأكيدها أنها حصلت على كل ما طلبته. مصرف لبنان ملزم بتسليمها المستندات خلال أسبوعين، وفي حال لم يسلم المعلومات كاملة تعمد الشركة، خلال أسبوع، إلى مراسلة وزارة المالية لتطلب ما تحتاج إليه من مستندات إضافية، على أن ينفّذ طلبها خلال مهلة جديدة من أسبوعين، على أن تبدأ بعد ذلك مهلة الأسابيع العشرة التي نص عليها العقد لإنجاز الشركة لتقريرها الأولّي «بحسب ما تم التوافق عليه بين اللجنة الوزارية المكلفة بالتفاوض وشركة Alvarez». تلك إشارة أوردها وزير المالية في بيانه، بما يوحي أنه معترض على هذا الاتفاق. اللافت أن وزير المالية المخول التوقيع على العقد، لم يكن عضواً في اللجنة، التي ضمّت نائبة رئيس الحكومة، وزيري العدل والاقتصاد، ومستشار رئيس الحكومة جورج شلهوب، علماً بأن العقد ينص على أن يصار إلى توقيع عقد جديد، في حال تبين الحاجة إلى استكمال العمل لإنجاز تقرير نهائي. وهو أمر لم يكن ملحوظاً في مسودة العقد مع شركة «كرول» على سبيل المثال. كرول أعطيت حينها فترة 6 أشهر لإنجاز عملها، الذي كان يفترض أن تتقاضى 4.5 ملايين دولار مقابله، فيما حصلت Alvarez على 2.2 مليون دولار مقابل 10 أسابيع من العمل، الذي سينتج عنه تقريراً أولياً.

هل سئلت «إيغمونت» عن إمكان مشاركتها في الإشراف على التدقيق الجنائي؟


تجدر الإشارة إلى أنه في حال التزمت الشركة بحرفية العقد وبدأت عملها فوراً، فإن ذلك يعني أنها ستعمل من دون وجود لجنة تتابع عملها. مع إمكانية أن تنتهي مدة العقد الاجمالية (15 أسبوعاًَ) من دون أن تعيّن اللجنة، في حال تأخر تأليف الحكومة. هذا يقود إلى أمرين، بحسب مصادر متابعة، إما كان على وزير المالية أن يوقّع العقد وينفّذ موجباته، وأولها تعيين اللجنة، وإما عدم التوقيع وبالتالي عدم تعيين اللجنة، وترك المهمة للحكومة المقبلة.
وحده حاكم مصرف لبنان لا يبدو معنياً بكل الجدل القانوني السياسي الدائر بشأن عقد التدقيق الجنائي في حسابات المصرف. هو اتخذ قراره، على ما يبدو، بعدم التعاون مع شركة التدقيق. وليست الدراسة التي أعدّها محاموه عن عدم جواز توقيع وزارة المالية بالنيابة عن المركزي سوى أول الغيث، الذي سيليه التذّرع بقانونَي السرية المصرفية والنقد والتسليف، لعدم التعاون مع الشركة. وهو عذر لم تسع السلطة إلى نزعه من يده، من خلال رفضها تعديل القوانين التي تعيق التدقيق، والتي لن يُسهم وجود «إيغمونت» أو غيرها في تعويضه.



مجموعة «إيغمونت»
تعود تسمية المجموعة إلى اسم قصرٍ في بلجيكا اجتمع فيه عدد من مسؤولي وحدات الإخبار المالي في العالم، واتفقوا على تأسيس منظمة ترعى التواصل والتنسيق بين هيئات الإخبار المالي وهيئات التحقيق الخاصة في العالم.
يقع المركز الرئيسي لمجموعة إيغمونت في مدينة أوتاوا في كندا، وتضم 165 وحدة إخبار مالي.
انضم لبنان إلى هذه المجموعة في عام 2003، وكان حينها الدولة الرقم ٥٣. المجموعة تهدف إلى تبادل المعلومات المالية المصرفية في ما يتعلق بشبهات تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب. وبحسب نظامها الداخلي، أي وحدة إخبار مالي لا تملك الكفاءة اللازمة يمكن إلغاء عضويتها. في المقابل، على الدول الراغبة في الانضمام أن تحظى بدولة راعية. وهو ما فعله لبنان عندما رعى انضمام سوريا والأردن والسعودية.
تجدر الإشارة إلى أن رئيس هيئة التحقيق الخاصة عبد الحفيظ منصور كان نفسه نائباً لرئيس «إيغمونت» لأربع سنوات.


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا