المرة الأولى التي تعرّف فيها رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، الى لبنان كانت أواخر عام 1992، عندما أبعدته حكومة العدو برئاسة إسحاق رابين إلى منطقة مرج الزهور، مع ٤١٧ «ناشطاً» من «حماس» و«الجهاد الإسلامي». آنذاك، تعرّف الى لبنان وقياداته، وتعرّف حزب الله الى «مبعَدي مرج الزهور» الذين أصبحوا لاحقاً قيادات ورؤساء.

بعد ٢٨ عاماً، عاد «أبو العبد» إلى لبنان، وهو على رأس أكبر حركة مقاومة إسلامية في فلسطين، بعدما كادت زيارته تُلغى قبيل ساعات من موعدها. مصادر أكدت لـ«الأخبار» أن وزارة الخارجية اللبنانية أبلغت السفير الفلسطيني في لبنان أشرف دبور، قبل يوم من الزيارة، «عدم قدرة لبنان على استقبال هنية، بسبب فاجعة المرفأ ولوجود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت». نقل دبور الرسالة الى قيادة «حماس» التي باشرت إلغاء المواعيد المقررة مسبقاً، ومنها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. إلا أن الأخير اعترض على موقف الخارجية، واتخذ مع قيادة حزب الله موقفاً حاداً، خصوصاً أن سبب زيارة هنية لبيروت هو المشاركة في اللقاء الوطني لـ«الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية»، و«تلبية» لدعوة وجهها بري منذ عام 2015 الى قيادات الفصائل سعياً إلى عقد مصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس». المصادر قالت إن بري «اعتبر رفض حضور هنية موجّهاً اليه، خصوصاً أنه عرّاب المصالحة الفلسطينية، وهو من رعى ودعم تأسيس الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير». أدى اعتراض بري وحزب الله الى تراجع الخارجية، فحلّ هنية ضيفاً على بيروت لمدة أسبوع يلتقي خلاله قيادات لبنانية. وهو اجتمع برئيس المجلس، أمس، في «جلسة ودية»، بحسب أحد الحاضرين. وقد «أبدى بري استعداده لتقديم أي دعم تحتاج إليه الفصائل لتحقيق الوحدة». هنية التقى أيضاً رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، ومن المقرر أن يزور الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في لقاء هو الثاني بينهما (المرة الأولى قبل ٢٧ عاماً عندما جال هنية مع الشهيد عبد العزيز الرنتيسي على القيادات اللبنانية). زيارات «أبو العبد» ستشمل مخيم عين الحلوة في صيدا، ومنطقة مرج الزهور حيث أقام نحو عام مبعداً عام 1992.
لقاء الأمناء العامين للفصائل جاء متأخراً 15 عاماً، كما قال عضو المكتب السياسي لـ«حماس» خليل الحية؛ إذ إنه «جزء من اتفاق حماس وفتح في القاهرة عام 2005 لترتيب البيت الفلسطيني سياسياً». ويأتي الاجتماع اليوم في إطار مسار بدأ بعد إعلان «صفقة القرن» ومخطط ضم الضفة الغربية، وبعدما أجبرت الأحداث الإقليمية الفصائل على الالتقاء، خصوصاً أن تجاوز الأنظمة العربية للسلطة الفلسطينية وتطبيعها مع العدو سيؤدي إلى إنهاء الحياة السياسية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إذ يُدرك «أبو مازن» أن الإمارات تريد دوراً لها في القضية الفلسطينية على حسابه، ولمصلحة القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان الذي - بحسب مصادر إسرائيلية - تخطط أبو ظبي وواشنطن وتل أبيب لإحلاله على رأس السلطة خلفاً لعباس مكافأة على «جهوده» في إنجاز اتفاق التطبيع بين دولة الاحتلال والإمارات.
ويسعى عباس الذي يشعر بخطر إنهائه سياسياً، مع توفّر البديل المدعوم إسرائيلياً وإماراتياً، إلى عدد من الخطوات لمواجهة هذا المخطط، أولاها تجديد شرعيته داخلياً عبر جمع الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«الجهاد الإسلامي» حوله، وهو ما قد يدفعه إلى تقديم تنازلات لـ«حماس»، كرفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها نهاية عام 2017 وأثّرت على الوضع الاقتصادي بشكل سلبي.
ورغم مخاوف عباس من محاولة دحلان العودة الى الساحة الفلسطينية من بوابة غزة، وبقوة الأموال الإماراتية لتحسين الواقع الاقتصادي، إلا أن كل المؤشرات في القطاع وخارجه أكدت لأبو مازن أن «حماس» لن تسمح لدحلان باتخاذ غزة منصة له للعودة الى الحياة السياسية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا