لا يبدو قرار المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري غائباً كلّياً عن مفاوضات تشكيل الحكومة. قد لا يكون يعني رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل اللذين لا يضعانه في الحسبان، في إطار محاولتهما إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وفرض إيقاعهما الخاص في التشكيلة الجديدة، لكنه لا يزال يشكّل حجر زاوية في خلفية التعامل مع عملية التأليف، أقله من جانب الرئيس نبيه بري.

ما قبل المحكمة وخطاب الرئيس سعد الحريري من لاهاي غير ما بعده، وبري كان أول المسارعين إلى طيّ صفحة المحكمة وقرارها، ملاقياً الحريري إلى منتصف طريق التهدئة. ورغم أن حيثيات القرار خلقت بعض الردود السلبية في الشارع السني، بعد انتظار طويل لقرار أوضح بملابساته، من دون أن ينعكس ذلك ردات فعل غير محسوبة، إلا أنّ أي طرف راغب في استثارة النعرات المذهبية على خلفية القرار قادر بسهولة على أن يعيد تصويبه في الاتجاه السياسي نحو حزب الله. ما فعله الحريري هو أنه عطّل هذا التوجه، من دون أن يلغيه بالمطلق. وبري الذي تجاوب مع ردة فعل الحريري، كان يضع الحكومة نصب عينيه، وفق رغبته الدائمة في إعادة ترشيحه. لكنّه هذه المرة ذهب أبعد في تمسّكه به، نتيجة السعي لمنع استثمار أيّ جهة لقرار المحكمة وإبقاء ورقتها مرفوعة، لا سيما في مرحلة الانهيار الداخلي السريع، وبذلك يسحب معه أيضاً كلّ إشكالات مرحلة تكليف الرئيس حسان دياب وتداعياتها.
المشكلة التي جرت على طريق التفاوض الحكومي أن بري الذي أعاد حزب الله توكيله إدارة الملف الحكومي، أبدى سلسلة ملاحظات على أداء عون وباسيل في هذا الملف، ولم يتمكّن من منعهما من الذهاب إلى الحدّ الأقصى في استبعاد الحريري وإشاعة أجواء سلبية يوميّاً تجاهه، وتحديد شروط حكومية، من دون الاتّعاظ بأن هناك متغيرات تفرض نفسها على عملية التكليف، في ضوء التنافس الدولي على وضع أجندات للبنان سياسية ومالية. وعدم تسهيل عون وباسيل لعودة الحريري معطوفاً على قرار السعودية عدم التعاطي بملف الحكومة، فرض مجدّداً خلط الأوراق في الجهة السنية. فالشحن السني الداخلي لا يزال على أشدّه، ومن المبكر، إن لم يكن من الخطأ، التعامل معه على أن مفاعيله انتهت، سواء لدى الجو المستقبلي أو لدى الأوساط المعارضة له. وما الحركة التي تستفيق دورياً، حول دار الفتوى، ودور رؤساء الحكومات السابقين، وقبلها الحشد في وسط بيروت، إلا من باب التأكيد أن النار تحت الرماد وأيّ فتيل صغير قادر على إشعالها. فما يجري في الساحة المسيحية من اعتراضات، يجري مثله في الساحة السنية تارة حول الصلاحيات وتارة حول أداء رئيس الجمهورية وباسيل وحزب الله معاً، وإن بأشكال مختلفة. وهذا يعني أن الشحن الداخلي مستمر، طالما أن تجربة حكومة حسان دياب أثبتت فشلها بمعنى إعطاء شرعية سنية لمن يدخل السرايا الحكومية، وهذا يفترض تقديم العودة إلى الحكومة كأولوية سواء بالمباشرة أو بالواسطة، في شكل يتعدى أيّ مشروع سياسي داخلي ولو على أساس تكتّّل معارضة كما كان يجري في السنوات السابقة، رغم أن ظروف اليوم تكاد تكون ملائمة أكثر له.

ما قبل قرار المحكمة الدولية وخطاب الحريري من لاهاي، غير ما بعده


من هنا تصبح المفاوضات حول تشكيل الحكومة بروؤس متعدّدة. هناك أولاً وآخراً، الهاجس السني - الشيعي، الذي يبقى أولوية، ويحتّم التمسّك بالحريري أولاً أو أي شخصية تقارب الجو السياسي نفسه، وقادرة على وقف اندفاعة باسيل، كما حصل في حكومة الفراغ الرئاسي. فظلّ الحكومة هذه المرة ينطلق من استعادة التوازن السني، وليس المسيحي كما جرت العادة. في المقابل هناك هاجس باسيل، لجهة استعادة حضوره في الدرجة الأولى لكبح جماح الانهيار المستفحل في التيار الوطني وفي العهد. بين الهاجسَين، يمكن السؤال عن موقف حزب الله. فإذا كان سبق أن أعلن ميله ما قبل حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة إلى الحريري، فما الذي تغيّر اليوم، حتى يُظهر لقوى مواكبة للتفاوض، أنه بات ميّالاً إلى الانتظار وعدم استعجال التأليف أيّاً يكن اسم الرئيس المكلف. أوساط هذه القوى تتحدّث عن رغبة الحزب في بقاء حكومة دياب كتصريف أعمال، لأن عدم قيامها بأيّ مهمّة هو مهمّة في حدّ ذاته في هذه المرحلة، ولو اقتضى الأمر تكليفاً لأيّ شخصية تمتصّ الاستياء السني، فلا تتكرر تداعيات تجربة تسمية دياب. قبل أن تنجلي الأجواء الإيرانية الأميركية، ومعها العقوبات إيرانياً ولبنانياً، ومن ثم نتائج الانتخابات الأميركية، من المبكر رسم سيناريو المرحلة المقبلة على قاعدة التجاوب مع المجتمع الدولي ورغباته بصورة سريعة وتشكيل حكومة إنقاذ لا تشبه تلك التي اعتاد عليها اللبنانيون. فالحكومة المستقيلة قد تكون أفضل حالياً من أيّ حكومة تحاول الاتّكاء على أيّ دور خارجي في خطواتها الأولى، من دون الإمساك بخيوطها الأساسية. علماً أن الأسماء المطروحة لتشكيل حكومة أو مراحل التفاوض الأولى لا توحي أن هناك من اتّعظ لا بردود فعل الشارع الشعبي منذ التظاهرات وحتى الانفجار، ولا بما يجري من انهيار اقتصادي ومالي، وأخطاء سبق أن مورست في الحكومات السابقة، من أجل السير بحكومة تعطي بعضاً من الأمل والتغيير على طريق الإنقاذ الحقيقي، وليس مجرد عنوان لبيان وزاري فاشل. فما هو مطروح أمام اللبنانيين، تدريجاً في الوضع المالي والاقتصادي وتبعاته الأمنية، ينذر بمشهد سوداوي لا يحتمل كلّ هذه المناورات الحكومية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا