بعد استقالة الحكومة، بدأ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتطبيق خطّته وخطّة المصارف بعيداً عن خطّة الحكومة ورؤية صندوق النقد الدولي. العصابة تسير قدماً في تنفيذ مخططاتها لتحديد الخسائر وإطفائها عبر الاستيلاء على الأملاك العامة وطباعة النقد وإفلات الليرة. بهذا المعنى، قد يكون من الأفضل الاستعداد للأسوأ، وخصوصاً بعدما تسرّب عن أن موجودات مصرف لبنان غير كافية لتغطية السلع المدعومة لأكثر من ثلاثة أشهر من دون المسّ بالاحتياطي الإلزامي الذي يفرضه قانون النقد والتسليف على المصارف مقابل ودائعها.

يوم الأربعاء الماضي، انعقد اللقاء الشهري بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف وجمعية المصارف. في هذا اللقاء أبلغ حاكم المركزي، رياض سلامة، المجتمعين، بالخطوات التي سيقودها مصرف لبنان عبر إصدار تعميمين يختصّان في التعامل مع الأزمة لجهة تحديد الخسائر وآلية إطفائها. سيتم التفاهم على التعميمين في المجلس المركزي في ظل استقالة المدير العام للمالية ألان بيفاني الذي يعدّ أحد رموز خطّة الحكومة المرفوضة من سلامة والمصارف بشكل مطلق. ففي الواقع، إن غالبية أعضاء المجلس المركزي المؤلف من نواب الحاكم الأربعة ومن مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان والمدير العام لوزارة الاقتصاد، ليس لديهم الحدّ الأدنى من الخبرة المطلوبة في مجال تصميم وإدارة السياسات النقدية، لا بل إن معظمهم لا يدرك شيئاً مما يقوم به سلامة أو يخطّط له، بل من المرجّح أن بعضهم عبارة عن أتباع يشبهون الأتباع السابقين من نوابه.
بحسب المحضر الرقم 171/2020 فإن الالتزام بالخطوات التي تحدّد الخسائر وآليات إطفائها ستكون مقياس بقاء أو خروج أي مصرف من السوق. هذه الخطوات هي على النحو الآتي:
- على المصارف تكوين مؤونات للمخاطر التسليفية بنسبة 45% على توظيفاتها في سندات اليوروبوندز (60% صندوق النقد الدولي، 75% خطّة الحكومة).
- على المصارف تكوين مؤونات لمواجهة مخاطر توظيف الأموال في سندات الخزينة اللبنانية بنسبة صفر في المئة (60% صندوق النقد الدولي، 40% الحكومة).
- زيادة الرساميل بنسبة 20% التي طلبها مصرف لبنان وأمهل المصارف حتى نهاية حزيران 2020 لتطبيقها (لم تطبقها غالبية مصارف «ألفا» بعد) حتى يكون لها أثر إيجابي في الخسائر المتوقعة على معدلات القروض المشكوك في تحصيلها.
- يطبّق مصرف لبنان معدل مخاطر 1.89 على توظيفات المصارف لديه بالعملات الأجنبية في حال إنشاء صندوق سيادي تسدّد الدولة من خلاله ما تدين به لمصرف لبنان.
- إذا لم يتوفّر الصندوق السيادي، يصبح معدل تثقيل المخاطر 9.45 على توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، على أن تؤخذ في الاعتبار آجال التوظيفات (أقل من سنة - أبعد من سنة).
إذاً، يراهن سلامة على إنشاء صندوق سيادي توضع فيه أملاك الدولة المهمة، مثل الاتصالات والعقارات والكازينو والمرفأ وربما مطار بيروت الدولي وشركة الميدل إيست وسواها من الشركات المنتجة للإيرادات، من أجل تمويل خسائر مصرف لبنان والمصارف. ستدفع الخسائر من هذا المال الذي بدلاً من أن يصبّ في خزينة الدولة لاستعماله في المشاريع الوطنية، سيصبّ في جيوب حفنة من المصرفيين الفاشلين عبر قناة مصرف لبنان.

يستخدم سلامة مواقف صندوق النقد المعارِضة لأرقامه لتبرير تنفيذ خطته!


ما هي سيناريوات الإفلاس المصرفي إذا أنشئ الصندوق السيادي أو لم ينشأ؟
تقول المعطيات التي حصلت عليها «الأخبار» (راجع ملحق «رأس المال»، الإثنين 20 تموز 2020: «نموت نموت وتحيا المصارف») أن لجنة الرقابة على المصارف أجرت عدداً من السيناريوات بشأن معدلات الرسملة المطلوبة من المصارف في ضوء الخسائر المتوقعة. السيناريوات التي تشبه الخطوات التي يحدّدها سلامة هي كالآتي:
1- خسائر سندات اليوروبوندز 45%، صفر خسائر على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، إضافة إلى معدل مخاطر 1.89 على كل توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية: هذا الأمر سيكبّد المصارف خسائر في الرساميل بقيمة 5.7 مليارات دولار، ويفرض عليها رساميل إضافية تراوح بين 3.5 مليارات دولار و7 مليارات دولار تبعاً لمعدلات الملاءة الدولية التي ستطبّق (8% أو 10.5%). وسيؤدي هذا الامر إلى إفلاس ما بين 19 مصرفاً (7 منها «ألفا») و25 مصرفاً (9 منها «ألفا»).
2- خسائر سندات اليوروبوندز 45%، صفر خسائر على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، إضافة إلى معدل مخاطر 9.45 على توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية: بنتيجة هذا السيناريو يتم شطب 50% من رساميل المصارف وتترتب عليها موجبات زيادة الرسملة بقيمة تراوح بين 7.7 مليارات دولار و12.6 مليار دولار تبعاً لمعدلات الملاءة الدولية التي ستطبق (8% أو 10.5%). وسيؤدي هذا الأمر إلى إفلاس ما يراوح بين 24 مصرفاً (9 منها ألفا) أو 27 مصرفاً (10 منها ألفا).
يظّن كثيرون أن هذا العقاب هو الأنسب للمصارف ولمصرف لبنان الذين فرّطوا في أموال المودعين، لكن الواقع أن خطّة الحكومة كانت تقترح شطب كل رساميل المصارف بقيمة 22.1 مليار دولار، وفرض رسملة إضافية لمن يريد الحفاظ على ملكيته بحدّها الأدنى بقيمة إجمالية تبلغ 5 مليارات دولار. هذا يعني أنه يفترض بمساهمي المصارف أن يأتوا بقيمة 5 مليارات دولار إضافية من الخارج، وهو مبلغ يحتاج إليه لبنان بشدّة من أجل عكس مسار الانهيار الحاصل اليوم. أما في الحال الذي تسير عليه الأمور وفق خطّة سلامة والمصارف، فإن الانهيار سيتسارع أكثر فأكثر في ظل عوامل إضافية تضغط عليه مثل كورونا والإغلاقات لمكافحة انتشارها، وانفجار المرفأ وتبعاته السياسية والاقتصادية، الهيجان الدولي على لبنان... كل هذه العوامل ستدفع سلامة إلى تعويض الخسارة بالودائع الأجنبية عبر طبع المزيد من الليرات، ما يترك سعر صرف الليرة ينهار أكثر فأكثر وبشكل متسارع.
المشكلة أن سلامة برّر السياسات التي سينتهجها في تحديد الخسائر وآلية إطفائها بـ«مواكبة توجّه صندوق النقد الدولي». المفارقة أن الصندوق يرى أن أرقام مصرف لبنان لا تعكس حقيقة الخسائر التي تكبدها النظام المالي، وأن الواقع هو أقرب إلى التقديرات التي أعدّتها الحكومة والمستشار المالي لازار. لكن سلامة مصرّ على استعمال مواقف الصندوق ضدّه وضدّ الأرقام التجميلية التي يقدّمها عن الخسائر، على أنها مبررات كافية لتنفيذ خطّته وخطّة المصارف التي يرفض الصندوق اعتبارها خطّة في الأساس. هذه المشكلة تأتي في وقت استقالت فيه الحكومة بعد إنجاز تحديد الخسائر، وبعدما اقتربت من التدقيق في دفاتر سلامة. هذا التدقيق الجنائي بالذات هو الذي دفع الكثيرين من حماة النظام إلى التأهب في مواجهة الحكومة والعمل على إسقاطها في إطار فرصة انفجار مرفأ بيروت.
اللافت أن سلامة يروّج لخطّته انطلاقاً من رفض صندوق النقد الدولي تمكين لبنان استعمال الكوتا الخاصة به بقيمة 800 مليون دولار. الرفض جاء انطلاقاً من شروط مسبقة حدّدها الصندوق تتعلق بما يسميه إصلاحات متصلة باستدامة المديونية في إطار اتفاق على برنامج كامل مع الصندوق. ما يرفضه الصندوق هو تماماً ما يقوم به سلامة! فهذا الأخير يقوم بكل ما يلزم من أجل حماية الطبقة الحاكمة من «الإصلاح». يجب عدم إغفال أن هذه الطبقة وفّرت له الحماية قبل بضعة أسابيع عندما كاد يتفق على إقالته. يومها خرج الرئيس نبيه برّي من القصر الجمهوري معلناً الاتفاق على «خفض قيمة ​الدولار​ مقابل ​الليرة​ إلى ما تحت الـ 4000 ليرة وصولاً إلى 3200، ومخاطبة صندوق النقد الدولي بلغة واحدة». وردّاً على سؤال عن إقالة سلامة قال بري: «نحن بحاجة إلى كل الناس وليس الاستغناء عن أحد».
منذ ذلك الوقت تضاعف سعر الدولار مقابل الليرة، وها هو سلامة ينفّذ خطته وخطة المصارف بسلاسة تامة، حتى إن المودعين نسوا أو تناسوا أن سلامة هو المسؤول الأول عن فقدان ودائعهم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا