هل صحيح أن وزارة المالية لن تتمكن من دفع رواتب موظفي القطاع العام عن شهر آب؟ سؤال بدأ يُطرح في الأيام الماضية على خلفية توقعات بأن الخزينة لم تعد قادرة على تلبية حاجات الدولة، في ظل اضمحلال الإيرادات إلى حد غير مسبوق. لكن سريعاً، عمدت مصادر معنية إلى الطمأنة بأن الوزارة طلبت من مصرف لبنان الاكتتاب بسندات خزينة بقيمة تقارب ٧٠٠ مليار ليرة لدفع الرواتب والأجور عن شهر آب.

تلك أنباء ينفيها وزير المالية غازي وزني نفياً قاطعاً. يقول لــ«الأخبار» إن الوزارة من بداية العام كانت تدفع رواتب وأجور القطاع العام من حسابها في مصرف لبنان. وأكثر من ذلك، يطمئن وزني إلى أن رواتب آب وأيلول متوفرة أيضاً في حسابها.
بالنتيجة، وبالرغم من التوقعات بانخفاض شديد للإيرادات، إلا أرقام وزارة المالية تشير إلى أن هذا الانخفاض لم يتخط 26 في المئة، إذ إن بعض الإيرادات قد تحسّن، ولاسيما الرسوم العقارية، التي ارتفعت في النصف الأول من العام ٢٠٢٠ بالمقارنة مع العام ٢٠١٩. وقد نتج ذلك عن نشاط استثنائي لحركة بيع العقارات (قٌدّرت منذ بداية العام بـ5 مليار دولار)، بسبب رغبة المودعين بتحرير أموالهم من البنوك التي تصادرها.
مع ذلك، استطاعت «المالية» تعويض العجز في إجمالي الإيرادات والمحافظة على قدرتها على إدارة السيولة ومنع انكشاف حسابها، بسبب عوامل عديدة أبرزها:
التوقّف عن خدمة الدين بالدولار، وهذه كلفتها تفوق الملياري دولار سنوياً.
تراجع قيمة التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان بنحو ٣٥ في المئة بالمقارنة مع الأشهر الأولى من العام ٢٠١٩ (بسبب تراجع الأسعار العالمية للنفط).
ضبط المصاريف الحكومية بشكل كبير، ووقف معظم المصاريف الاستثمارية.
وبنتيجة هذه العوامل، أظهرت مؤشرات المالية العامة انخفاضاً في العجز في الأشهر الستة الأولى من العام ٢٠٢٠، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام ٢٠١٩.
لكن هل هذا يعني أن «المالية» ستبقى قادرة على تأمين الرواتب؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك، ولكن في حال عدم تمكنّها، من المؤكد أن مصرف لبنان سيكون عليه عندها الاكتتاب بسندات الخزينة لتأمين هذه الرواتب. صحيح أنه نظرياً يمكنه الرفض بحجة عدم الاستعداد لطبع العملة، إلا أن ذلك لن يكون ممكناً عملياً، لأنه ببساطة لم يقل لا منذ ثلاثين سنة (إلا إذا أراد التضييق على السلطة التنفيذية كما فعل عندما كان جورج قرم وزيراً للمالية). أضف إلى أنه يطبع العملة حالياً بشكل عشوائي لتخفيض خسائره وخسائر المصارف. وهو طبع حتى اليوم آلاف مليارات الليرات، ما ساهم، ويساهم، في تضخم كبير وانهيار مستمر لسعر الليرة ونقل لخسائر المصارف إلى المودعين.
على المقلب الآخر، بالرغم من نفي وزارة المالية الطلب من مصرف لبنان الاكتتاب سندات الخزينة، فقد أوضحت مصادر الوزارة أن ما طلبته من المصرف هو تعويض الاكتتابات الخاصة بالقطاع المصرفي عند الحاجة. إذ أن المصارف رفضت تجديد استحقاقات سندات الخزينة بالليرة، وبالتالي صار على الوزارة دفع التزاماتها لها عند استحقاقها، ما يتطلب سيولة إضافية تؤمنها الوزارة من مصرف لبنان.

المصارف ترفض تمديد استحقاقات سندات الخزينة ومصرف لبنان يعوّض


رفض المصارف الاستمرار على المنوال ذاته بدا مستغرباً، لأن تخلّيها عن تمديد الاستحقاقات يعني أنها لن تستفيد من الفوائد العالية التي كانت تجنيها على مر السنوات. لكن مصادر مطلعة تؤكد أن خطوة المصارف هذه تعود إلى خشيتها من إعادة هيكلة الدين الداخلي، بالإضافة إلى حاجتها للسيولة في الليرة، لتستعملها في إطار إطفاء خسائرها على حساب المودعين، الملزمين الحصول على ودائعهم بالعملات الأجنبية، بالليرة، وبأقل من سعر السوق بنحو ٥٠ في المئة.
الاتفاق مع مصرف لبنان قضى بأن يعمد إلى الاكتتاب نيابة عن المصارف في حال وجود عجز في تسديد الاستحقاقات. وهو بالفعل اكتتب بدلاً منها في الأسبوع الماضي بـ70 مليار ليرة. لكن تدخّل مصرف لبنان ليس ثابتاً. فعلى سبيل المثال، لم تحتج وزارة المالية لاكتتاب المصرف في الأسبوع الحالي، إذ تبين وجود فائض لديها يفوق 100 مليار ليرة. الأمر مرتبط عملياً، بقيمة الاستحقاق الأسبوعي وبتوفر الأموال لدى «المالية»، إلا أن إجمالي فوائد خدمة الدين بالليرة بلغت في العام ٢٠٢٠ نحو ٤٣٠٠ مليار ليرة، فيما إجمالي سندات الخزينة بالليرة يفوق ١٢ ألف مليار ليرة.
مسألة التعامل مع الدين بالليرة لم تحسم بعد. الخطة الحكومية كانت تشير إلى أن إعادة هيكلة هذه الديون هو أمر حتمي، لكن المصارف ومصرف لبنان، رفضت ذلك بشدة أثناء المفاوضات. إلى أن تشكّل حكومة جديدة، فإن الأمر سيبقى على ما هو عليه.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا