لكثرة الفساد والإهمال، ليس مستغرباً أن تكون الكوارث في لبنان مميتة غالباً، من دون استبعاد فرضيات الاعتداء والافتعال. وليس مستغرباً، أيضاً، سوء إدارة هذه الأزمات في ظل الغياب التام للدولة والفشل في تأسيس هيئة لإدارة الكوارث، ما يؤدي دائماً إلى... كوارث جديدة، صحياً وبيئياً واجتماعياً وتراثياً.

ففي غياب الدولة وهيئاتها المتخصصة، بدأ متطوعون متحمّسون، بعد انفجار الرابع من آب، بإزالة الردم من المناطق المتضررة، بشكل عشوائي قد يتسبب بكوارث بيئية وصحية إضافية. إذ أن مخلّفات كارثة المرفأ ليست ردميات عادية، بل يمكن أن تحتوي على مئات الأنواع من المواد الخطرة التي تحتاج الى إدارة خاصة، تبدأ بأخذ العينات وإجراء الاختبارات لمعرفة نوع التفجير وطبيعته ومكوّناته… وتنتهي بتأمين مواقع لنقل الركام ذات مواصفات خاصة للجمع والتخزين والمعالجة، مع الاهتمام بالرعاية الصحية وإعطاء التوجيهات والمعدات اللازمة للحماية والوقاية والمعالجة. وهذه مهمات يفترض أن تكون محددة ومدروسة مسبقاً، وتتولاها هيئات متخصصة ومدربة ومجهزة بكل ما يلزم لإدارة الكوارث.
أما التدخلات الدولية، الضرورية و«المشكورة»، لمساعدة لبنان في محنته، فأكثر ما يخيف فيها أنها كثيراً ما تحمل في طيات برامجها «الاصلاحية»، مشاريع كبيرة قد لا تقل خطورة عن الكوارث نفسها، لا سيما في الطاقة والمياه والبنى التحتية. ففي حين يكون المطلوب تمويل مشاريع صغيرة لحسن إدارة المياه المتوفرة سيأتي من يموّل انشاء السدود الكبيرة مهملاً إصلاح الشبكات ومحاسبة الإدارات الفاسدة والعاجزة وتغييرها. والأمر نفسه ينطبق على مشاريع الطاقة. فبدل اعتماد استراتيجيات لترشيد الاستهلاك وطلب نقل التكنولوجيا المتجددة والنظيفة والاهتمام بمشاريع صغيرة ولامركزية لتوليد الطاقة من مصادر متجددة كالمياه والشمس والهواء… نذهب إلى انشاء معامل إنتاج حرارية كبيرة وملوثة قد نجبر على التخلي عنها لاحقا باتفاقيات وقرارات دولية للتخفيف من انبعاثات تتسبب بكوارث مناخية اكبر بكثير من كل الكوارث التي عرفناها. وفيما يحتاج بلد نام وغير صناعي ولا منتج كلبنان الى مشاريع كبرى للنقل العام، كإحياء مشاريع سكك الحديد مثلا، يتم تركّز المشاريع على تطوير البنى التحتية لتشجيع استخدام السيارات الخاصة و«تنفيع» شركات تصنيع السيارات في الدول الصناعية. أضف الى ذلك ما يعنيه «التدويل» من مشاريع استثمارية كبيرة تبدأ بترسيم الحدود وتنتهي بالتنقيب عن الغاز والنفط وتأمين محطات نقل الإنتاج من مرافئ وخطوط نقل يتم ترسيمها على نار حامية لتأمين مصالح كبرى، قد يضيع في خضمّها بلد صغير مثل لبنان ويفقد طبيعته التي تعدّ من أهم ميزاته التفاضلية بين دول المنطقة.
لم تنجح الحكومات المتعاقبة يوماً في تأسيس هيئات متخصصة لإدارة الكوارث ولا في وضع استراتيجيات للبيئة والتنمية المستدامة أكثر عمقاً وشمولاً. ويعود السبب الأول في ذلك إلى اخفاق رؤساء الحكومات أنفسهم. إذ هذه المهمات، في غياب وزارة للتخطيط، تتجاوز صلاحيات اي وزارة بمفردها، وهي بالتأكيد اكبر من قدرات مجلس الانماء والاعمار وهيئة الإغاثة… وقد تكون هناك فرصة الآن، في معرض البحث عن رئيس جديد للحكومة، أن يطرح هذا الأمر كأحد بنود الاصلاح الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام، ولكن بعيداً عن القوى التقليدية المجربة، وعن المنظمات غير الحكومية التي لا تنشط الا اذا كانت مموّلة بحسب اجندات لا علاقة لها بالحاجات الوطنية… وعبر انشاء أحزاب جديدة لها خلفياتها الفكرية الجديدة وبرامجها واستراتيجياتها الثورية في كل القطاعات والقضايا، تعامل «ناسها» ككائنات لها حقوق وعليها واجبات، وليس كأرقام للحشد والاستخدام.
ولعل اهم مهمة عاجلة يفترض معالجتها بسرعة أثناء لملمة نتائج الكارثة، إعادة الاعتبار الى دور الدولة التي لا غنى عنها وعن دورها كراعية ومؤتمنة على حماية الموارد وحسن ادارتها وديمومتها وعلى حفظ حقوق الناس والأجيال القادمة… وليس من بديل عن «دولة فاشلة» الا دولة عادلة وراعية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا