لم يتعهد أي طرف دولي التسوية الرئاسية، كما فعلت فرنسا، وإن كانت في الصف الخلفي. لا واشنطن أعطت مباركتها، ولا السعودية التي غضّت البصر - رغم اعتراضها على التسوية - بعد تأكيد حلفائها في لبنان أنهم يضمنون علاقة العهد الجديد مع الرياض، كما يتعهدون بتغير أسلوب عمل الفريق الآتي الى قصر بعبدا على جناحي تفاهم معراب وتسوية الرئيس سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

وحدها باريس ظلت تراعي التسوية، وعملت مراراً على تحصينها، انطلاقاً من ثابتتين: علاقة تاريخية مع العماد ميشال عون وتقليدية مع الحريري الابن بعد الرئيس الراحل رفيق الحريري. تربط عون بدوائر فرنسية صلات تتعدى لجوئه اليها. يعرف نواباً ووزراء ورؤساء، ويعرفه كثر في مراكز النفوذ الرئاسي والحكومي والبرلماني.في أحيان كثيرة تبرز هذه الروابط متقدمة بأشواط على ما عداها من علاقة فرنسا بقوى وأحزاب مسيحية أخرى كالكتائب والقوات اللبنانية. وإذا كان للنوستالجيا مكان في هذه الصلة، فإنها أيضاً محكومة بوقائع عملانية سياسية وعسكرية، حين كان عون قائداً للجيش، ورئيساً لحكومة انتقالية ومنفياً، ومن ثم رئيساً للجمهورية. وفرنسا استثمرت في المراحل الماضية بعون والمحيطين به الذين عادوا الى لبنان.
على مستوى مختلف، بنى الحريري الابن موقعه في باريس على الركائز التي أرساها والده، فورث بعده هذه المكانة التي عملت باريس، ولا سيما في عهد الرئيس جاك شيراك، على الحفاظ عليها، وحتى بعد خروجه من الحكم. وحين أتت التسوية الرئاسية لتجمع صديقين لها، بادرت الى تشجيعها متفردة بذلك عن غيرها، فزارها عون «شاكرا». بين وقوفها الى جانب الحريري بعد أزمته السعودية واستضافة الرئيس ايمانويل ماكرون له ولعائلته بعد خروجه من الرياض وقبل عودته الى لبنان، شجعت باريس على مؤتمر «سيدر» قبل الانتخابات النيابية، لتعطي دفعاً لهذه التسوية ولأركانها للفوز بالانتخابات، وكان ماكرون يعدّ العدة لزيارة بيروت، قبل أن يعدل عنها ويعمل على عقد مؤتمر الدول المانحة لدعم لبنان الذي غابت عنه السعودية. كل ذلك تحت سقف التسوية الرئاسية ومفاعيلها. حتى أحداث 17 تشرين الاول وما تلاها، لم تجعل فرنسا تقف موقفاً مباركاً لها بالمطلق، رغم تشبيه البعض لتظاهرات لبنان بشعارات فرنسا عن العدالة الاجتماعية، وهي استمرت حذرة في التعامل معها، فيما كانت تحث السلطات اللبنانية على اتخاذ خطوات فاعلة في ظل حكومة الحريري. ورغم سقوط هذه الحكومة وتأليف حكومة الرئيس حسان دياب، بقيت باريس على توازنها، وهي المعروفة بتفردها أوروبيا في الاحتفاظ بعلاقة تواصل مع حزب الله، لجهة إعطاء هذه الحكومة فرصة. لكن مراوحة الاوضاع مكانها جعلت باريس، التي تتعرض ايضاً لضغط أميركي ومن بعض الاوروبيين، تعيد قراءة ما حصل بعيون جديدة، مع الأخذ في الاعتبار تأثير المخضرمين من الديبلوماسيين والسياسيين الذين لا تزال تربطهم علاقة مميزة بلبنان.
من هنا جاءت النظرة الفرنسية قبل انفجار المرفأ، لتطرح أسئلة عن هذا التحول في السياسة الخارجية. ففرنسا شعرت بأن مفاعيل التسوية داخلياً انتهت مع خروج الحريري منها وتفرّق القوى التي دعمتها، لصالح تخبّط لم تتمكن حكومة دياب من الخروج منه. لم يتبقّ من التسوية سوى عون وحزب الله، وهي وإن كانت على علاقة جيدة مع الأول وعلاقة ما مع الثاني، إلا أنها باتت تنظر بغير رضى إلى تدهور أداء السلطة. فهي لم تقف موقف المواجهة مع حكومة دياب، العكس هو الصحيح. لكن دياب شعر بأن ثمة محاولة جدية لإطاحته، لصالح تسوية جديدة، من هنا كان ردّ فعله بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، والذي لم يقابله رئيس الجمهورية بالمثل.
لكن فرنسا ما قبل 4 آب هي غير ما بعده. يقول الفرنسيون إن الدافع الاول والأخير إنساني، وأداء ماكرون في لبنان والوفد المرافق انطلق من لحظات إنسانية، وما شهد عليه من مآسي عائلات منكوبة وانهيار صحي وتربوي يصب في خانة مسلمات لا تزال تمثل ركائز اساسية في وجدان الفرنسيين وجمهوريتهم. لكن لا يعني ذلك ان السياسة غائبة وعمادها شخصيات مثل لودريان وغيره ممن سبق أن أعطوا ملاحظاتهم بقساوة قبل الانفجار. ففرنسا تعود الى المشهد اللبناني علانية ومن دون مواربة، وهي تريد الابقاء على العناوين التي فشلت التسوية في تنفيذها، كالاصلاحات، مع انكشاف فداحة الفساد، بعد الانفجار. وهي حريصة على ألا يصطدم دورها بحائط مسدود، كما في بعض المراحل السابقة، لأنها تريد العودة الى بيروت والعالم العربي من هذه البوابة. من هنا ضغطها مع الولايات المتحدة لتحييد لبنان عن كل مقاربات أخرى. فواشنطن لا يعنيها من لبنان إلا ما يتعلق باسرائيل براً وبحراً وجواً. نظرة فرنسا مختلفة، تريد تحييده وتحتاج واشنطن، التي ستنشغل في الانتخابات الاميركية، للعمل على حماية تدخلها فلا تعرقلها، في وقت تعرف فيه أن السعودية لا تزال على تجاهلها التام. والخطورة أن الانفجار يمثل مناسبة لاكثر من طرف للتدخل؛ ايران التي تعتبره خطرا على دورها وقد ترى فيه فرصة في آن واحد، وتركيا التي ترى فيه فرصة سانحة للدخول الى لبنان وتثبيت موطئ قدم فيه، في وقت يطرح فيه السؤال حول كيف ستتصرف روسيا حياله، وهي التي كانت تسعى الى الدخول اليه نفطياً.
وسط هذه الخريطة، تعود فرنسا وأمامها بضعة عناوين:
الأولوية لانفجار المرفأ ومعالجة ذيوله على كل المستويات التي حددها ماكرون في اجتماع الدول المانحة. قبل استقالة الحكومة وبعدها، الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيّئ أضيفت اليه كارثة أشد قسوة، والاهم تأمين متطلبات الغذاء والادوية وتأمين سكن العائلات وترميم المستشفيات. هذه ليست مجرد عناوين انشائية على الطريقة اللبنانية، بل اجندات ملزمة، تخطت بأشواط مقاربات السياسيين اللبنانيين الذين غابت اي مبادرة لهم لمساعدة المنكوبين. هذا هو المحرك لعقد المؤتمر الدولي، وكذلك إصرار فرنسا والدول التي حشدتها على منع مرور المساعدات عبر الاقنية الرسمية. أما الاولوية الثانية فاقتصادية، إذ تقف فرنسا بوضوح وراء صندوق النقد. كلام ماكرون العلني في بيروت وفي باريس، سبقه كلام لودريان. وهذا الموقف بمثابة تحذير استباقي لكل اقتصادي وسياسي يقف وراء محاولة تطيير المفاوضات مع الصندوق. في مقابل تمسكها بالاصلاحات من دون مواربة، هناك من أراد عمداً التغاضي عن موقف فرنسي واضح للمرة الاولى تجاه سياسة مصرف لبنان، فاختار جزءاً منه وتجاهل الملف المالي. وهذه الاشارة لم ترق كثيراً من القوى السياسية التي لا تزال تدافع عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي بدأ حملة إعلامية مضادة، حتى عبر الاعلام الفرنسي، لمواجهة الاتهامات ضده. رغم كمّ الانتقادات لهذا الفريق السياسي والمالي، لتجاهله الفج لانفجار المرفأ وما نتج عنه من حاجة الناس الماسة إلى أموالهم، لترميم بيوتهم وشراء الحاجات الضرورية، فلا يفرج عنها، أو لا يزال يصرفها بغير سعر السوق.
في السياسة، تربط فرنسا علاقات صداقة مع كل من التقاهم ماكرون على طاولة الحوار. من لا يعرفهم شخصياً، يعرفهم الوفد المرافق والديبلوماسيون في العاصمتين. لكن باريس في الآونة الاخيرة تستشعر ارتياباً من القادة اللبنانيين، وموقفها بات حاداً، أكثر بكثير مما قيل علناً، تجاه هؤلاء. ولعل هذا سبب استياء البعض، وتوافق معظم الذين شاركوا في طاولة الحوار على إعادة التموضع وتحصين مواقعهم، حيال أي حركة فرنسية يمكن أن تصبّ في خانة إبعادهم عن الواجهة. والانطباعات أن أكثر من طرف على مختلف المستويات كان حريصاً على البقاء في مواقعه. من هنا كان الالتباس المقصود في الإيحاء بما عنته باريس بحكومة جديدة. الحكومة المقصودة حكومة تتفاهم حولها وعليها القوى السياسية، فلا تعرقل أعمالها، وليس حكومة وحدة وطنية بالمعنى التقليدي، تعيد تلميع صورة من كان في السلطة وشريكاً منذ سنوات في الفساد وتسبّب في الازمات المتتالية. لم يطرح ماكرون اسم الرئيس سعد الحريري مطلقاً. من طرحه جهات سياسية كانت حاضرة، على طاولة الحوار، ولم يلتقط أحد الطرح، ولم يتم استكمال الحوار حول هذه النقطة لاحقاً، ولم يتم الدخول في الاسماء. لكن باريس بدت حاسمة في اتجاه التغيير، لأن ما حصل في المرفأ هو رأس جبل الجليد. وكثر هنا في بيروت، بمن فيهم أصدقاء فرنسا، لم ينظروا الى ملاحظاتها بارتياح.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا