سيكون من غير المقبول الكلام الدبلوماسي مع أحد في السلطة اليوم. ولنترك جانباً المسؤولية عن الخراب. الفاسدون أنفسهم، كما كلّ الناس، يعرفون أن من حكم البلاد خلال ثلاثة عقود، يتحمّل المسؤولية الأكبر عن الأزمة. لكن، من هو القادر على إبعاد هؤلاء نهائياً عن السلطة؟ ومن يقدر على منعهم ـــ وليس الطلب منهم ـــ من البقاء في أي منصب، نيابي أو وزاري أو إداري في أي مؤسسة؟ ومن يقدر على إدارة انقلاب حقيقي يضع كل المتهمين أو المشتبه في مسؤوليتهم عن الخراب في إقامة جبرية ومنعهم من السفر والحجز احتياطياً على أملاكهم؟

اليوم، ما من أحد قادر على القيام بذلك. من يعقدون اجتماعات باسم المعارضة، ويؤلّفون جمعيات وأطراً وجبهات، لا قدرة لديهم، فعلياً، على «قلي بيضة». لكن هؤلاء غير الناس. الناس الذين عادوا أخيراً إلى تكتلاتهم البدائية، الطائفية والمذهبية والعائلية والمناطقية، ينشدون فيها الأمان الاجتماعي كآخر جدران حمايتهم من الجوع. وهؤلاء، بغالبيتهم الساحقة، يتذمّرون من دون توقف، لكنهم لا يظهرون ثقة تجعلهم ينزلون إلى الشارع خلف هذا أو ذاك، لأن المشكلة لم تعد في تشخيص المرض، بل في من يقدر على العلاج. ومن هو أهل للثقة، والأهم، من هو القادر من هؤلاء على إدارة عملية الإنعاش وصولاً إلى العلاج.
بين المعارضين تكتل «مدني» هو ـــ في حقيقة الأمر ـــ مجموعة غير قليلة من المرتزقة يعمل القسم الأكبر منهم في منظمات غير حكومية، أو في مؤسسات تخضع لسلطة الغرب وجماعاته، في لبنان وخارجه. وهؤلاء لا تظهر عليهم، أو على عائلاتهم، عوارض الأزمة. بعضهم يخجل من سلوكيات في العلن، لكنه يفعلها خلف ستار. وهم يعقدون الاجتماعات من دون توقف، وبعض مكاتبهم موجودة في الوسط التجاري الذي لم يفلح المتظاهرون في حرقه أو احتلاله من قبل الأبناء الطبيعيين لهذه المدينة. رؤوس هذه المجموعات تدرس وتتشاور مع سفارات الاتحاد الأوروبي، ومع الأميركيين وبعض العرب، حول «الحلول» الممكنة. وآخر «اكتشافاتهم» التي يجب التوقف عندها، أنه ليست في لبنان قوة سياسية قادرة على تسلّم البلاد الآن، وهم يشكون أصلاً من القوى الحاكمة، ويتصرفون على أنهم الأفضل والأكفأ لإدارة الأزمة، ويملكون علاقات ونفوذاً خارجياً يسمح بإعادة لبنان إلى حضن المجتمع الدولي، وجلّ غايتهم الإبقاء على النموذج القائم اقتصادياً وسياسياً، لكن مع بعض عمليات التجميل باسم المدنية وتوابلها. فما الجديد لديهم؟
على طريقة خذوا أسرارهم من صغارهم، يمكن أخذ أسرار هؤلاء من كبارهم أيضاً، لأنهم لا يطيقون الانتظار كثيراً حتى حصول التغيير. من يتحركون اليوم باسم منظمات أو جبهات أو تيارات مدنية، لكن من دون أسماء أو هيكليات أو عناوين، هم في حقيقة الأمر من شكّلوا سابقاً «الذراع المدنية» لفريق 14 آذار السياسي والطائفي والاقتصادي، وتربطهم علاقات خاصة بـ«القناصل» وفي نقاش مباشر مع بعضهم، ويتجهون مباشرة نحو الهدف: حزب الله عائق أمام الحل وأمام تطور البلاد!
في اعتقاد هؤلاء أن غالبية القوى السياسية غير قادرة على مواجهة حزب الله، إذ أنها تخشاه أو تتحالف معه أو تتجنب مواجهته، وهذا ما يجعل البلاد، عملياً، «أسيرة» لوجهة الحزب. وفي اعتقادهم، أيضاً، أن الحزب قوة تملك شعبية كبيرة، لكن نفوذه مستمدّ من قوته العسكرية ومن الأموال التي تأتيه بطريقة «غير شرعية» ويستخدمها لإدارة مؤسساته وتنظيمه ومجتمعه. وبالتالي، فإن كسر الحزب يتمّ من خلال عملية يتشارك فيها من يقدر على معالجة الأمر من جوانبه كافة. ولذلك، هم يراهنون، علناً هذه المرة، على أن يكون الجيش اللبناني، ومعه قوى أمنية أخرى، في موقع المتصدّي لفرض السيطرة ـــ بالقوة ـــ على كل لبنان ومحاصرة حزب الله، ومنعه من التحرك الداخلي، وضبط سلاحه ومنعه من القيام بأعمال ضد إسرائيل من لبنان، وإقفال الحدود أمامه، بحيث لا يصل إليه شيء، ولا يقدر على إرسال مقاتليه لدعم حلفائه في الإقليم. وهؤلاء، يتصرفون على أن الجيش قادر على القيام بهذه المهمة، وأن الناس يؤيدون استيلاء الجيش على السلطة في مرحلة مؤقتة وقصيرة.

من يتحرّكون اليوم باسم جبهات أو تيارات مدنية شكّلوا سابقاً «الذراع المدنية» لفريق 14 آذار وتربطهم علاقات خاصة بـ«القناصل»

وهنا يأتي دورهم، لأنهم يعتقدون بأن الجيش يفترض به تسليمهم إدارة مؤسسات الدولة، والتحضير لانتخابات تتيح وصولهم إلى المجلس النيابي، وإدارة جميع المواقع التنفيذية، وخصوصاً المالية منها، وأن بينهم من الخبراء ممن «بنوا» مؤسسات في بلدان أخرى، وهم قادرون على الأمر نفسه في لبنان، وأنهم مجموعة غير منقسمة طائفياً ومذهبياً، ويمكنهم التعاون من أجل بناء دولة مدنية.
ببساطة، يتصرف هؤلاء على أن انقلاباً كبيراً يديره الجيش، مصحوباً بحركة جماهيرية اعتراضية كبيرة تدعم تولي العسكر إدارة البلاد، أمر ممكن لا بل ضروري، وأن كل العالم سيكون مع هذا الخيار، وأن تجربة السودان ماثلة للعيان، مع تفادي أخطاء التجربة المصرية أو التركية، وأن في إمكان هذه التجربة مساعدة شعوب أخرى على تجاوز مصاعبها. وهم، هنا، يشيرون إلى العراق وسوريا بشكل أساسي.
مع الأسف، هذه عينة من بحث قائم يشارك فيه كثيرون ممن نسمعهم ونشاهدهم اليوم ينتقدون حكومة حسان دياب، لكنهم لا يتجرأون على انتقاد مجزرة فضلو خوري في الجامعة الأميركية. وهم ينتقدون رياض سلامة الذي هو منهم ويشبههم، لكنهم يُقنعون بعض المصرفيين الكبار بأن الحل عندهم. وهم يطالبون بالقضاء المستقل، لكنهم لا يدافعون بكلمة عن قضاة رفعوا الصوت – قانونياً – ضد التدخلات الأميركية أو سياسات حاكم مصرف لبنان، وهم يتحدثون عن إصلاح اقتصادي شامل، لكنهم يسعون إلى نيل دعم دول مثل بريطانيا لإدارة مشاريع اقتصادية مع أذرع إعلامية لمواجهة «ماكينات الشر التابعة لحزب الله». وهم يتحدثون عن الحريات الفردية والديمقراطية، لكنهم ينشدون خلاصهم بواسطة العسكر وأجهزة الأمن.
غداً: ماذا عن مسؤولية الحكومة والفريق الحاكم؟