خلال الأيام الماضية، عكست الأجواء الآتية من القوى المشاركة في الحكومة رغبة قوية بالعودة إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي. ومردّ هذا التوجّه، أن الآراء الطاغية هي التحذير من خطورة إسقاط المفاوضات مع الصندوق، على اعتبار أن العواقب المتوقّعة لناحية «فقدان الثقة» دولياً نتيجة فشل المفاوضات، لا تقلّ خطورة عن الاتفاق مع الصندوق بل تفوقه.

وعلى ما تظهر التغيّرات الأخيرة، فإن اللّقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل كان نقطة التحوّل، بعد أن اتفقا على مجموعة من الخطوات، من بينها العودة إلى التفاوض مع الصندوق، وطبعاً من ضمن هذه الخطوات، تكليف شركة تدقيق جنائي القيام بعمليات البحث في حسابات المصرف المركزي.

(هيثم الموسوي)

فتكليف الشركة، بالنسبة للصندوق، هو «إظهار لنية الإصلاح»، التي تمثّل واحداً من شروط التفاوض، إضافة إلى إقرار قانون الـ«كابيتال كونترول». وبمعزلٍ عن مطالب صندوق النقد التفاوضية، فإن السيطرة المطلوبة على سعر الليرة غير ممكنة من دون إقرار القانون المذكور. وكل يوم يمرّ من دونه، يعني أنه لا يزال باستطاعة الشركات والمصارف، تهريب الأموال إلى الخارج.
وعملياً، يمكن القول إن اتفاق بري - باسيل، دخل حيّز التحضير والتنفيذ، بدءاً من قرار الموافقة على الاستعانة بشركة Alvarez & Marsal، للقيام بمهمة التحقيق الجنائي، لكن تبقى تفاصيل كثيرة في بقية النقاط. والنزاع اليوم لا يزال دائراً حول مسألة الخسائر، إذ تصرّ عصبة أصحاب المصارف وكبار المودعين على رفض تحمّل أي خسائر، ويبذل هؤلاء جهودهم للتخلّص من خطة التعافي المالي التي تبنّتها الحكومة.
ووسط هذا الكباش، من المتوقّع بعد الاتفاق على شركة التدقيق، أن يتحرك قانون الكابيتال كونترول إلى أن يقرّ في المجلس النيابي، وتتنعش حظوظ خطة الحكومة مع الاتجاه القوي للعودة إليها بوصفها الحل الوحيد المتاح. دليل آخر على جدية اتفاق بري - باسيل، الذي حصل بـ«لا اعتراض» من حزب الله، هو استدعاء شركة «لازارد» مجدّداً للعمل على الخطة، وسط هجوم حاد من حزب المصارف عليها. فـ«لازارد»، «لا يمكنها أن تصادق على أرقام مخالفة للأرقام السابقة، لأن هذا يضع كل صيتها على المحكّ». وفوق ذلك، «وصلت رسائل واضحة من الأمم المتحدة ومن الأوروبيين، أنهم ليسوا مستعدين للدخول في أي برنامج لإقراض لبنان أو مساعدته، إذا لم يكن ذلك تحت مظلة الصندوق ومصادقة الصندوق على الأرقام».
وبناءً على ذلك، ستشهد الأيام المقبلة ورشةً بهدف توحيد الأرقام واعتماد تلك التي تتبناها الحكومة بشكل واضح بدعم من مجلس النواب، من أجل العودة إلى التفاوض مع صندوق النقد. وعلمت «الأخبار» أن مشاورات تحصل بين القوى المكوّنة للحكومة حول هذا الأمر، ويسعى الفريق المحيط برئيس الحكومة حسّان دياب، إلى تأمين التوافق على أرقام الخطّة بعد إدخال «التعديلات اللازمة» عليها.
ومع كل هذه الجديّة التي تبديها الحكومة وانتعاش خطّتها ودعمها في هذا التوجّه من أبرز الكتل الحاضنة لها، لا يزال هناك تخوف جدي من تصميم «حزب المصارف» على نسفها، ومخاوف جديّة من قيام هذا الفريق بكلّ ما يلزم لمنع تنفيذ الخطّة. ويطرح هذا الحزب «بدائل» تعتبرها عدة قوى «محاولات للتذاكي»، بالبحث عن إجراء تفاهم على الطريقة اللبنانية بين أرقام الحكومة وأرقام المصارف! أو، بصيغة أكثر وقاحةً، بأن يتمّ اعتماد أرقام الحكومة بعد إدخال بعض التعديلات عليها، لكن مع ضمانات للمصارف بإعفائها من شطب كامل رساميلها لإطفاء الخسائر، والاستعاضة عن ذلك بشطب جزء صغير من الرساميل، وإطفاء الخسائر على حساب المال العام والأملاك العامة والموارد والقطاعات المنتجة القليلة في البلد.
ثلاثة أوراق بيضاء «تحفّظاً» على الموظفين الإسرائيليين
ورغم شبه الإجماع على ضرورة اعتماد شركة تدقيق مالي، وموافقة حركة أمل والتيار الوطني الحرّ على شركة Alvarez & Marsal (ألفاريز آند مارسال)، للقيام بمهمة التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، بقيت مسألة الشركة بحدّ ذاتها إشكالية، مع اعتراض وزيري الصناعة عماد حب الله والصحة حمد حسن بـ«الورقة البيضاء» (عن حزب الله) ووزير الزراعة عباس مرتضى (عن حركة أمل)، مع أن وزير المال غازي وزني المحسوب على الحركة، هو مقدّم الاقتراح، على أن يرفع وزني مشروع العقد إلى مجلس الوزراء، للموافقة النهائية على بنوده في مهلة أقصاها أسبوع.
يُخشى من تسوية «على الطريقة اللبنانية» للتوفيق بين خطّتَي الحكومة والمصارف


وبحسب المعلومات، فإن موقف حزب الله ليس رفضاً مطلقاً للتدقيق الجنائي، إنّما بمثابة اعتراض غير معلن على تبليغه إسم الشركة قبل يومٍ واحد من موعد جلسة الحكومة، بما لا يسمح بوقت كافٍ للتأكد من خلفية الشركة ومدى النفوذ الإسرائيلي فيها، خصوصاً أن فيها موظفاً كبيراً خريج جامعات العدو ويحمل جنسيته. وجاء اعتراض حب الله بعد أن أكّدت وزير الدفاع زينة عكر أن الأجهزة الأمنية تبيّنت عدم وجود فروع للشركة في إسرائيل، وأن غالبية الشركات المالية في العالم يعمل فيها موظفون إسرائيليون، ومن الصعوبة أن يتمّ إيجاد شركات لا وجود لموظفين إسرائيليين فيها. وقال حب الله لـ«الأخبار» إن «الموقف هو تحفّظ على المعلومات عن وجود موظفين إسرائيليين رفيعين في الشركة، بانتظار معلومات جديدة في الأسبوع المقبل، مع تأكيد كامل على موافقتنا على موضوع التدقيق الجنائي».
ومما لا شكّ فيه، أن حزب الله، مع عدم ممانعته التدقيق الجنائي، إلّا أنه يترقّب عملية استخدام سياسي من جانب الأميركيين لعمل شركات التدقيق الدولية، ومحاولات تأليف مناخات معادية له انطلاقاً من هذه العمليات، كما حصل سابقاً في التحقيقات الدولية، بدءاً من ديتليف ميليس إلى شهود الزور، طالما أن المعركة مع الأميركيين مفتوحة على كل الاحتمالات، وهناك تصاعد للضغوط والتحريض ضد الحزب في الداخل اللبناني. وكما حدث في التلاعب في التحقيقات باغتيال الرئيس رفيق الحريري لتلفيق اتهام أمني - سياسي، ليس هناك أي رادع من التلاعب بالتحقيقات لتلفيق ملف اتهامي على خلفيات مالية.
وفيما جرى التداول بمعلومات مفادها أن الشركة التي كلّفتها الحكومة ليست متخصصة بالتدقيق الجنائي، فضلاً عن وجود فضائح طاولت بعض العاملين فيها لجهة إخفاء معلومات، تضع بعض المواقع المتخصصة الشركة في مرتبة جيّدة من التصنيف، لجهة عمليات التدقيق الجنائي.