أشّرت الفوضى الأمنية التي اجتاحت البلاد في الأسابيع الماضية، خلال الاحتجاجات الشعبية، إلى أشهُر صعبة ينتظرها لبنان، مع انتقال الحصار المفروض على اللبنانيين الى مرحلة أشدّ بدخول قانون قيصر حيّز الخدمة. هذه الفوضى، أرهبت الطبقة الحاكمة التي استشعرت تأثير غياب الأمن السياسي على كل أشكال الأحوال المالية والاقتصادية والغذائية، حيث تمنَع الخلافات خلق أرضية مشتركة يجري الانطلاق منها للوصول إلى رؤية إنقاذية واحدة. وبناءً عليه، خرجت فكرة حوار بعبدا الذي دعا إليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الـ25 من الشهر الجاري بهدف مُعلن هو «قطع الطريق أمام الفتنة وحفظ الاستقرار والموضوع المالي – الاقتصادي».

غيرَ أن الحراك السياسي الذي قاده رئيس مجلِس النواب نبيه بري خلال الأيام الماضية على شكل مُصالحات أو اجتماعات ثنائية، بدا كأنه دفع في اتجاه إنجاح الحوار، الذي تقول أوساط مُطلعة أن «برّي يهدف من خلاله إلى تخفيف التوتّر بين عون ورئيس تيار المُستقبل سعد الحريري، تمهيداً لإجراء مُصالحة بينَ الأخير ورئيس تكتّل لبنان القوي النائب جبران باسيل». ويترافق هذا الهدف مع آخر، وهو «خلق جو سياسي يسمَح بإسقاط حكومة الرئيس حسان دياب واستبدالها بحكومة يرأسها الحريري قادرة على منع تكرار مشاهد اشتباكات 6 حزيران بين بربور والطريق الجديدة، حيث لا قُدرة لحكومة مقنّعة تكنوقراطياً على مواجهة الارتجاجات التي سيُخلّفها قانون قيصر أو فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي»، بمعنى «جرّ الجميع ليكونوا في الخندق نفسه، بدلاً من أن تتحمّل حكومة دياب المحسوبة على فريق واحد ثقل المنحدر الذي تسير البلاد في اتجاهه».
تجهَد القوى السياسية لإنكار هذا «التمهيد»، علماً بأن نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي لمّح إليه أكثر من مرة، وقال في حديث إلى قناة «الجديد»، يومَ أمس، إن «الحكومة يجِب أن تكون سياسية بامتياز وليس حكومة تكنوقراط». وتقول مصادر مطلعة إن «الأنظار اليوم شاخصة إلى القرار الذي سيتخذه رؤساء الحكومة السابقون، الحريري ونجيب ميقاتي وتمام سلام وفؤاد السنيورة بحلول اليوم، حيال المشاركة في الحوار من عدمها»، لافتة إلى أن «الحريري لم يحسم قراره حتى اللحظة، مع أن البعض يُحاول إقناعه بالمشاركة، وخاصة برّي والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم». كذلك لم يقرر رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بعد المشاركة في حوار بعبدا أو عدمها، فيما لم يتدخل حزب الله لإقناعه، لكون الأخير لا يريد أن تُفهَم مُحاولاته نوعاً من الضغط».

الفرزلي: الحكومة يجِب أن تكون سياسية بامتياز


وفيما تقول مصادر قريبة من رؤساء الحكومات السابقين إن «الاتجاه هو لعدم المشاركة»، انطلاقاً من «معارضتهم للعهد»، قالت مصادر بارزة في فريق 8 آذار إن «الرئيس عون هو صاحب الدعوة، وهو من تواصل مع الرئيس بري وأبلغه نيته عقد لقاء جامع، وطلب اليه المساعدة في إنجاحه، حيث اتفقا على التعاون، فيتولى عون الحديث مع رؤساء الجمهورية والحكومة السابقين، ويتواصل بري مع رؤساء الكتل». وفي موازاة ذلك، نفت مصادر قريبة من النائب وليد جنبلاط أن «تكون خلفية الحوار المُزمع عقده هو إعداد الأرضية لعودة الحريري»، لافتة إلى أن «جوّ الحريري في العشاء الأخير الذي جمعه بجنبلاط كان واضحاً لجهة أن رئيس تيار المُستقبل ليسَ في وارِد العودة إلى رئاسة الحكومة في هذه المرحلة»، مشيرة إلى أنه «لا ارتباط بينَ أصل الدعوة وإعادة تكليف الحريري بحكومة جديدة». لكن «هناك اتصال مفتوح مع الأخير لإقناعه بضرورة الحضور وتجاهل التوتر مع عون وباسيل، خاصة أن حساسية المرحلة تقتضي مشاركة الجميع تفادياً لمشهد أخطر من 6 و12 حزيران».