لم تنتهِ «تداعيات» سلّة الدعم الغذائية التي أقرّتها وزارة الاقتصاد والتجارة أخيراً. أُخذ على الوزارة بداية أنها بدل الدعم المباشر للمستهلكين عبر قسائم شراء شهرية بالمواد الغذائية الأساسية مثلاً، عمدت إلى دعم السلع التي يتغيّر سعرها يوماً بعد آخر، ما يؤدي إلى تعزيز الاحتكارات ويراكم أرباح التجار. غير أن هذه، على ما يبدو، ليست السقطة الوحيدة في حكاية السلة المدعومة. مؤخراً، علت صرخة مربّي الأبقار الحلوب اعتراضاً على دعم السلة للحليب البودرة الداخل في صناعة الألبان والأجبان، علماً أن لهؤلاء شكوى مزمنة من السياسات التي تنتهجها الدولة في هذا القطاع.

وفي وقت كان المربّون ينتظرون دعماً من الدولة في ظل أزمة سعر صرف الليرة، ذهبت الدولة في الاتجاه المعاكس نحو دعم الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي. فبدل حماية قطاع إنتاج الحليب الطازج المحلي ودعمه، جاء دعم «حليب البودرة الموضّب بأكياس 25 كلغ» ليشرّع الباب أمام «توجه معامل الأجبان والألبان نحو استبدال الحليب الطبيعي بحليب البودرة في إنتاج الألبان والأجبان وبيعها على أنها منتجات من الحليب الطبيعي»، بحسب كتاب وجّهته نقابة مربي الأبقار الحلوب أخيراً إلى رئاسة الحكومة. وبما أن الكثير من المعامل تسحب الدسم الحيواني عند تصنيع بعض المنتجات، يمكنها بسهولة استبدال الحليب الطازج بالحليب البودرة من دون كشف الغش. من هنا، يصبح بديهياً القول إن أصحاب المعامل هم المستفيدون. إذ أن «حليب البودرة بعد ترويبه يعطي كميات أكبر من اللبنة والجبنة مما يعطيه الحليب الطازج»، على ما يقول عالمون بهذه الصناعة. ناهيك عن أن «لا حموضة في الحليب البودرة كما هي حال الحليب الطازج ما يجعل مدة صلاحيته أطول في نقاط البيع». والأهم من ذلك كله أن «المعامل التي تستورد مباشرة توفر 400 ليرة في كل كيلو من الحليب البودرة مقارنة بالحليب الطازج». ومع توجه الدولة لدعم البودرة، فمن المؤكّد أنه سيكون في قائمة أولويات معظم المعامل، خصوصاً أن الحليب الطازج بات مسعّراً على أساس سعر صرف السوق ما يرفع سعره بين يومٍ وآخر. وحتى هذا السعر ليس واحداً، إذ يختلف من منطقة إلى أخرى. كل هذه الأسباب، أضعفت الحليب الطازج قبل أن يأتي قرار الدعم ليُسهم في وضعه على شفير الانهيار.
لهذه الأسباب، دعت النقابة وزارة الاقتصاد إلى إعادة النظر في قرار الدعم، لأنه «مؤذٍ للمربين، ومخالف للمواصفات» المعتمدة من قِبل وحدة المقاييس «ليبنور» التي تمنع استخدام الحليب البودرة في هذه الصناعة باستثناء اللبنة، على أن يذكر في مكوّناتها أنها مصنّعة من الحليب البودرة، «وهو ما لا تقوم به معظم المعامل»، على ما يؤكد رئيس النقابة عمر خير.
قرار الدعم جاء ليزيد مشاكل القطاع... بلّة. وهي المشاكل التي كبرت بعد تشرين الأول الماضي، مع تدنّي إنتاج الحليب الطبيعي من 700 طن يومياً إلى حدود 400 طن بسبب تأرجح سعر الدولار، ما دفع كثيرين إلى ترك هذه «المهنة» التي لم تعد «توفّي». إذ أن ثمة أساسيات تُستخدم في القطاع مستوردة في غالبيتها، ومنها «الأعلاف والمُضافات العلفية والأدوية البيطرية واللقاحات والنطف للتلقيح الاصطناعي والبكاكير المستوردة قبل أن تصبح بقراً حلوب». لكل هذه الأسباب، لم يعد قطاع إنتاج الحليب الطازج مغرياً، وهو بالكاد يؤمّن اليوم 15% من الإنتاج المحلي للصناعة، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار انخفاض أعداد الأبقار المنتجة «من 35 ألف رأس حلّاب إلى 15 ألفاً»، على ما تقول نقابة مربّي الأبقار.
على أن هذه ليست أزمة صراع بين الحليب بـ«جناحيه»، البودرة والطبيعي، وإنما أزمة «سياسات تصرّ على الاستيراد»، على ما يقول زهير برو، رئيس جمعية حماية المستهلك. والمطلوب «تغيير هذه السياسات وإعداد خطط على أسس اقتصاد متكامل على مدى قريب ومتوسط، إذا كان المطلوب فعلاً أن نحقّق التنمية وندعم القطاعات الإنتاجية».