«الوصمة». تحمل هذه الكلمة أبعاداً كثيرة، في مقدمها البعد النفسي. ويمكن أن تؤدي، في لحظةٍ ما أو موقفٍ ما، إلى حافة اليأس. وثمة وصمات كثيرة ترافق الناس في كل نواحي حياتهم، لكن الأبرز هي تلك التي ترافقهم في المرض. والأمثلة كثيرة، من السمنة إلى الإيدز... واليوم «كورونا». ففي الآونة الأخيرة، مع انتشار الفيروس، بات في الإمكان اختصار الوصمة بذلك الخوف المزدوج: خوف من الإصابة بالفيروس انعكس خوفاً من المصاب به. غالباً ما يداري الناس ذلك الخوف بالمزاح، وليست عبارة «مكَوْرِن» التي يواجه بها بعضهم بعضاً سوى دليل على ذلك. ولأن فيروس «كورونا» لم يعد مجرّد مرض عضوي، بل «جرجر» خلفه تبعات نفسية، كانت الحملة الوطنية للتصدي للوصمة المتعلقة بفيروس «كورونا»، تحت شعار «الاختبار الأهم»، والتي تطلقها وزارة الصحة اليوم، من خلال البرنامج الوطني للصحة النفسية، بالشراكة مع منظمة «أبعاد» وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية و«اليونسيف».



«الاختبار الأهم» ليس نتيجة الفحص المخبري التي ينتظرها المشتبه في إصابتهم بالفيروس، بل «اختبار مدى وقوف بعضنا إلى جانب بعض في هذه المحنة»، يقول رئيس البرنامج الوطني للصحة النفسية الدكتور ربيع شمّاعي، إذ إن الوصمة أخطر من المرض، بحسب شمّاعي. وفي حالة المصابين بفيروس «كورونا»، كانت سبباً في «الفشل النفسي» لكثير من المصابين، وهو ما تشير اليه بوضوح الزيادة الكبيرة في الآونة الأخيرة في عدد الاتصالات على «الخط الساخن» للبرنامج الوطني. وهذه الزيادة تعني أن علاج «كورونا» ليس دوائياً فقط، بل نفسيّ أيضاً. ولئن كان القيّمون على البرنامج لا يملكون إلى الآن أدلّة بالأرقام على ما آلت إليه صحة المصابين النفسية، لكن الأكيد أنه مع انتشار فيروس كورونا، مضافا اليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية غير المستقرة، ازدادت الاضطرابات النفسية بشكل واضح وجعلت المصابين أكثر هشاشة للتأثر بتلك الوصمة».
بالأدلة العادية (دراسة تعود إلى العام 2008)، وفي مجتمع خالٍ من الفيروس، يناهز عدد السكان الذين اختبروا على الأقل سمة واحدة من الاضطراب النفسي 25,5%، فيما 10.5% عانوا من اضطراب نفسي واحد، ويناهز عدد من عانوا من اضطراب نفسي شديد 4,6%. وقد وصل 4,3% إلى حد التفكير في الانتحار، فيما نفّذ 2% فعلاً محاولة انتحار. الأرقام لا تكذب. والصحة النفسية أصعب من الصحة العادية في أحيانٍ كثيرة، خصوصاً إذا ارتبطت بوصمة. من هنا دور الحملة التي تأتي من ضمن الخطة الوطنية للاستجابة على صعيد الصحة النفسية لكوفيد ـ 19، وتهدف أولاً الى «دفع» الوصمة و«تعزيز الصحة النفسية والتخفيف من الضغوط ذات الصلة بفيروس كورونا، بما في ذلك الوصمة والتمييز ضد الأشخاص المتضررين، كما العاملون في مجال الصحة النفسية»، و«تقديم الدعم في مجال الصحة النفسية للأشخاص في الحجر الصحي في المستشفى أو في المنزل وأسرهم، ودعم الصحة النفسية للعاملين الصحيين والعاملين في الصفوف الأمامية»، وأخيراً «ضمانة استمرارية رعاية الصحة النفسية للأشخاص الذين يستخدمون خدمات الصحة النفسية».
واحد فقط من كل عشرة أشخاص قادر على الوصول إلى الخدمات النفسية

وتتنوع أوجه المتابعة في إطار الحملة، إذ سيعقب الإطلاق تخصيص مقدمات النشرات الإخبارية لـ«الاختبار الأهم». كذلك ستكون هناك «بوسترات» توعوية ستوزع بالتوازي، إضافة إلى أنشطة منها ما هو مخصص لعرض «قصص تضامن وتعاون حدثت على الأراضي اللبنانية»، إضافة إلى «مقابلات مع اختصاصيين ستتطرق إلى خطورة الوصمة على الأشخاص» وفق شماعي. أما المتابعة الأهم فستكون مع الأشخاص أنفسهم لناحية وصولهم إلى الخدمات، إذ تشير الأرقام إلى أن 1 من 10 هو من يصل إلى الخدمات النفسية فقط. وهذا التحدي الأصعب، خصوصاً في ظل زيادة الضغوط مع فيروس كورونا والأزمات التي تشهدها البلاد. من هنا، عملت وزارة الصحة، بالتعاون مع شركائها، على «تسهيل» وصول هؤلاء إلى الخدمات عبر إتاحتها من خلال الجمعيات والمستشفيات الحكومية. ولهذه الغاية، وضعت أيضاً «الخط الوطني الساخن» لتلقّي الاتصالات. وبحسب شمّاعي، فقد زادت نسبة «الطلب على الخدمات النفسية، خصوصاً في ظل هذا الواقع». ولهذا السبب، «توجهنا إلى رئاسة الحكومة برسالة طلبنا بموجبها جعل هذا الاتصال مجانياً، لإتاحة الفرصة أمام آخرين لا قدرة لهم على القيام به، إلا أننا إلى الآن لم نتلقَّ جواباً». وإلى حين يصبح الاتصال متاحاً للجميع، يمكن عندها تقدير حاجات الناس النفسية التي ستزيد لا محالة.