تحولّت الاحتجاجات التي اندلعت ليلَ الجمعة - السبت في مدينة بيروت، حيث دفع الغضب بعدد قليل من المحتجين إلى تكسير وحرق نحو ثلاثة محال تجارية، نتيجة الوضع المالي والاقتصادي والمعيشي، الى مادة للتوظيف السياسي من قبل بعض الشخصيات والقوى التي كانت منضوية في فريق 14 آذار، إضافة إلى وسائل إعلامهم، موجهين الاتهامات إلى حزب الله باجتياح العاصمة وإحراقها وتدميرها. وفي سياق هذه الحملة، تداعى نواب «بيروت» يومَ أمس إلى اجتماع «طارئ» في ساحة النجمة، بدعوة من زمليهم القواتي عماد واكيم، علماً بأن ما حصل تلك الليلة، لم يكُن سابقة، إذ وقع في وسط العاصمة ومحيطه ما هو أكثر منه خطورة وضرراً، منذ ما قبل 17 تشرين وبعده. لا بل إن ما شهدته مناطق أخرى، كطرابلس على سبيل المثال، يفوق بكثير ما حصل في بيروت (سقط في طرابلس أكثر من 80 جريحاً بين العسكريين والمحتجين).

نواب العاصمة لم ينتفضوا يوماً لأملاكها العامة المنهوبة، ولا لمساحاتها العامة المهددة بالانقراض، ولا لنقلها العام غير الموجود، ولا لأزمة السكن فيها التي حوّلتها إلى مدينة طاردة لأهلها، ولا لأزماتها البيئية، ولا لمجلسها البلدي المعطّل والمنتقل من فشل إلى فشل، ولا لمالها المهدور، ولا لودائع سكانها المحجوزة في المصارف... على العكس من ذلك، الجزء الأكبر منهم منضوٍ في حملة الدفاع عن سارقي أموال اللبنانيين، وفي تغطية هدر المقدرات العامة. فمنذ الانتخابات النيابية عام 2018، لم يجتمع نواب بيروت إلا مرة احدة بشأن قضية «الإيدن باي». ومن حينها، يتواصل هؤلاء كمجوعة أصدقاء عبر «غروب» على تطبيق «واتساب». وعلى هذه المجموعة، طلب واكيم منهم عقد لقاء حضره جميع النواب باستثناء سعد الحريري وتمام سلام وجان طالوزيان (لارتباط الأخير بجلسة للجنة المال). واكيم قال في اتصال مع «الأخبار» إن «الأثر الذي تركته الاحتجاجات، إضافة إلى جو التوتر، دفعانا الى الدعوة لاجتماع»، بينما يقول نائب بيروتي إن «المشاهد التي نقلت على شاشات التلفزيون بشكل مباشر لم يُكن بالإمكان تجاهلها» وهي «تحصل في ظروف حساسة جداً والبلاد تنهار على كل المستويات، وكان لا بدّ من التداول فيها». الجلسة لم تخلُ من السجالات، أهمها بين النائبين أمين شري ونهاد المشنوق. الأخير كان الأشرس، والأكثر اندفاعاً لتحميل إحراق محتجين لثلاثة محال تجارية في وسط العاصمة أبعاداً استراتيجية، تظهر في خطابه الذي يكرره منذ سنوات. رفض القول «إنّ من أحرقوا بيروت وشتموا السيدة عائشة فعلوا ذلك من دون قرار سياسي، فضلاً عن قناعتهم الذاتية». شدد على أن «من قاموا بالغزو على عين الرمانة وعلى وسط بيروت وعلى الطريق الجديدة وعلى طرابلس، وشتموا المقدّسات، إنّما فعلوا ذلك بتعبئة سياسية مسبقة وحقيقية. إنهم لا يكذبون. هذه هي مشاعرهم وقناعاتهم، كذلك الذين ردّوا عليهم في كورنيش المزرعة وفي عين الرمانة». وقال إنه «لا حلّ إلا بقرار سياسي يلجمهم ويوقف التعبئة. وقال المشنوق إنّ بيانات الاعتدال من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ومن المجلس الإسلامي الشرعي، لا تفيد، لأن لا اعتدال بلا حفظ كرامات الناس وأرزاقهم». وقال إنّ حديثه عن «تحالف شتم السيدة عائشة ليس موجّهاً إلى الطائفة الشيعية، بل إلى القيادة السياسية المحرّكة لتحالف الموتوسيكلات». وطالب المشنوق بحلّ سياسي على أعلى المستويات، داعياً إلى إنشاء صندوق أهلي لتعويض المتضرّرين في الأسواق التجارية في بيروت، كذلك في طرابلس. وختم مرافعته بإنشائيات عن أن الدولة «لن تقوم في لبنان من دون استراتيجية دفاعية. وطالما أن السلاح خارج إرادة الدولة فلا حلّ في الخارج ولا في الداخل، وأنّ هذا الجو كان قبل العقوبات بسنوات، فكيف الآن؟». وشدد على أنّه «لا بديل من حوار جديّ، ونتائجه لا تكون إلا برعاية الرئيس نبيه برّي».

نواب العاصمة لم ينتفضوا لأملاكها العامة المنهوبة ولا لمساحاتها العامة المهددة بالانقراض


رد المشنوق جاء على خلفية اعتراض النائب أمين شرّي على «توظيف ما حصل في بيروت بطريقة شعبوية»، فتوجّه إلى المشنوق بالقول «نحن جميعنا حريصون على بيروت. ويجب أن نعالِج ما جرى بمنطقية، لا أن نستثمر فيه ونوظفه في السياسة، خاصة أن لا أحد يُمكن أن يضبط وسائل التواصل الاجتماعي»، مذكّراً بأحد الأشخاص الذي خرج سابقاً من خارج لبنان وشتم أهل البيت «لكننا يومها عملنا على احتواء التداعيات». وقال شري: «نحن كنواب بيروت فلنطلب من الأجهزة كلها تحديد المتورطين بالدليل وليحاسب هؤلاء، ونحن نستنكر أي اعتداء، ونتمنى أن لا يوظف أحد ما حصل ضدنا. وللتأكيد، فنحن ننسّق مع الأجهزة، ولا يضع أحد ذلك في إطار الأمن الذاتي، بل في إطار المساعدة، لأننا نعرف شوارع بيروت وقادرون على ضبطها حيث يوجد مؤيدون لنا». وأكد شري أن «قطع الطرقات على أهل بيروت المقيمين في الإقليم وعرمون وبشامون لا يقل أهمية عمّا حصل في بيروت، وعلينا أن نقول لهم كيف نحميهم، لا بل إن حديثنا يجب أن لا ينحصر بالعاصمة بل بكل المدن، في بيروت كما في طرابلس». وتطرق شري إلى بيان المجلس الأعلى للدفاع وتأكيده وجود أعمال منظمة مدعومة من الداخل والخارج، فردت النائبة بولا يعقوبيان «من هم»؟ فقال شري «الجميع يعلم»، فأجابت «الذين أتوا إلى الوسط هم من مناطق تخضع لسيطرتكم»، فرّد شري عليها بالقول «المناطق جميعها تخضغ للدولة، هؤلاء موجودون في مناطق لنا فيها حضور».
بدوره توجه النائب محمد خواجة إلى لمشنوق مؤكداً «أن كلامه غير مقبول ولا يُشبهه»، وأن ذلك يؤدي إلى توتر وفوضى عارمة. وشدد على أن المتظاهرين لم يكونوا من الضاحية حصراً، بل من مناطق مختلفة. وبينما كرر النائب نديم الجميل نغمة السلاح والقرار ١٥٥٩، سأل واكيم عن «الكلام الذي تحدث عن الضغط على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ولا سيما أننا في اليوم التالي شهدنا اتفاقاً لضخ الدولار في السوق». وقد انتهى اجتماع الساعتين ببيان تلاه النائب فؤاد مخزومي، طالب فيه النواب «القضاء بمتابعة حيثيات استباحة بيروت والتعرض للأملاك العامة والخاصة وتعقب المخربين ومحاسبتهم وسوقهم إلى المحاكمة»، بينما لفتت مصادر في الجلسة إلى أن النائب نزيه نجم كان يحمِل معه «بياناً مسبقاً من بيت الوسط يريد فيه تحميل الحكومة كل المسؤولية».