تعيين الأكاديمي والخبير والمستشار السياسي جوزيف باحوط لرئاسة معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، خطوة سياسية بامتياز. باحوط، الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، عمل كزميل غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط لـ«وقفية كارنيغي للسلام العالمي»، منذ عام 2014. وكان بين عامي 2009 و2014 مستشاراً دائماً لوحدة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الفرنسية، وأستاذاً لدراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية في باريس (2005 - 2014)، وزميلاً أوّلَ في الأكاديمية الدبلوماسية الدولية (2008 - 2014) التي رأسها جان كلود كوسران، المدير الأسبق للاستخبارات الخارجية الفرنسية. لم تنحصر مساهماته في المجالات الأكاديمية والبحثية. هو لعب دوراً إعلامياً - سياسياً بارزاً في الفترة التي احتدمت فيها الأزمة السورية وتحولت إلى حرب محلية/إقليمية/دولية. في بداية الألفية الثالثة، كان باحوط عضواً في حركة التجدّد الديمقراطي، ومقرباً من رئيسها الراحل نسيب لحود، وشارك بحماس في «ثورة الأرز» قبل أن يتعدّل موقفه بشكل مفاجئ أواخر عام 2005. بعد هذا التاريخ، أصبح باحوط من الداعين للحوار مع دمشق وطهران. لكنه في صيف 2012، أي سنة ونيف بعد اندلاع الأزمة في سوريا، تحول إلى نصير متحمّس للمعارضة السورية وداعية للتدخل الدولي لدعمها ومواجهة «المشروع الإيراني في الإقليم»، وبقي على هذا الموقف إلى اليوم. ويتضح من خلال مراجعة مداخلات وكتابات باحوط في العقدين الماضيين، رغم التغييرات التي طرأت عليها في مراحل معينة، أنها تنطلق بمجملها من رهان ثابت على التدخل الأميركي والغربي لفرض «الدمقرطة» على بلدان المنطقة بمعزل عن نتائجه الكارثية عليها، كما أظهرت تجارب العراق وليبيا وسوريا.


تحريك «المياه الآسنة»
لم يكن باحوط وحده من راهن على التدخل الخارجي، والأميركي تحديداً، لفرض «إصلاحات سياسية» في المنطقة العربية. تيار من المثقفين والكتاب العرب، يضم يساريين وليبراليين وإسلاميين سابقين، أخذ بهذا الرهان بسبب ما يعتقده من استعصاء للتغيير المستند إلى قدرات شعوب المنطقة الذاتية نتيجة لطغيان أنظمتها، وجزمه بأن تدخلاً خارجياً وازناً وحده يكفل «تحريك المياه الآسنة»، حسب تعبير المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم. لهذه الغاية، لم يعارض العظم وغيره، وبينهم للمثال لا للحصر، شبلي ملاط وجهاد الزين وحازم صاغية، الغزو الأميركي للعراق وأملوا بأن يكون له «أثر الدومينو»، الذي تحدث عنه وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد، على بقية دول المنطقة. لم يتردد بعض هؤلاء بالذهاب إلى الولايات المتحدة ولقاء أبرز عرّابي «مشروع إعادة صياغة الشرق الأوسط»، بول ولفوفيتز، والمشاركة في برامج بحثية أو دعائية - سياسية مموّلة من إدارة بوش الابن. شارك باحوط، الذي كان خلال تلك الفترة في باريس، في الترويج لخطاب التغيير المفروض من الخارج، وهو قال في ندوة نظّمها معهد العالم العربي إن دول المنطقة ستُجبر على إصلاح نفسها شاءت أم أبت. مثّل القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، برأيه ورأي بقية رموز التيار المشار إليه سالفاً، نموذجاً للتدخل الدولي «الناجح» إذ أنه أمّن غطاءً سياسياً ناجعاً للقوى المطالبة بانسحاب الجيش السوري من لبنان. طبعاً، هم تجاهلوا عمداً أنها كانت موجة ارتدادية لاجتياح العراق من قبل 140000 جندي أميركي، وما أحدثه من اختلالات كبيرة في موازين القوى الإقليمية ومن شروخ عميقة في مجتمعات المنطقة. أواخر عام 2005، انقلب موقف باحوط وبات يحذر من مخاطر انزلاق الوضع في لبنان نحو نزاع أهلي. يربط البعض بين هذا الانقلاب وبين إطلاق سراح قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وخشية باحوط من تجدد الظواهر «الميليشياوية» في البلاد. الأكيد هو أنه أضحى ينادي بضرورة الانفتاح على قوى 8 آذار في لبنان، وفي مقدمتها حزب الله، وعلى سوريا وإيران، وعبّر عن موقفه هذا في مقابلة مع يومية "ليبراسيون" في 22 آب 2006 بعنوان «بدلاً من كسر المحور السوري- الإيراني، ينبغي السعي لدمجه». شارك باحوط، الذي تجمعه علاقة صداقة مع الوزير الأسبق ميشيل سماحة، في لقاء المثقفين الفرنسيين مع الرئيس السوري خلال زيارته الثانية لباريس، عام 2010، وكان من المؤيدين بلا تردد لتحسين العلاقات السورية - الفرنسية.

الأزمة السورية وما بعدها
أيّدت قطاعات واسعة من الأنتلجنسيا الفرنسية، تناغماً مع سياسة دولتها، المعارضة السورية منذ اندلاع الأزمة في سوريا وتبنّت بحماس منقطع النظير شعار «إسقاط النظام» حتى لو اقتضى الأمر تكرار «السيناريو الليبي» الذي لعبت فرنسا دوراً حاسماً فيه. لم يدلِ باحوط برأي علني حول هذا الموضوع إلا في أواخر صيف 2012. منذ هذا التاريخ، انضم إلى المجموعة الأكثر شراسة ضد سوريا وحلفائها وتصاعدت حدة مواقفه بعد أن أصبح «زميلاً غير مقيم» في وقفية كارنيغي وزائراً دائماً للولايات المتحدة، مساهماً بنشاط في العديد من الندوات والمؤتمرات الخاصة بالتطورات السورية. شارك في لقاءات في الكونغرس الأميركي، وفي مراكز دراسات عديدة، من بينها ندوة نظّمتها جمعية «متحدون ضد إيران النووية» الوثيقة الصلة باللوبي الإسرائيلي. انتقد باحوط ما رآه تراخياً أميركياً في دعم المعارضة السورية وأثنى في مناسبات عدة على آراء السيناتور الأميركي المتصهين جون ماكين، الذي ذهب إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة السورية وحضّ على دعمها عسكرياً. وقد نشر باحوط على صفحته على «فايسبوك» صورة تجمعه بالأخير مع التعليق التالي: «مثل هؤلاء الرجال يجعلون من أميركا بلداً عظيماً». اختيار جوزيف باحوط كمدير لمعهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت يشي بالتوجهات التي باتت سائدة فيه وبالوظيفة التي سيؤديها في حقبة احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وأعدائها في بلادنا.