عندما ولد بشير أبو زيد عام 1992، كان نبيه بري قد ترك وزارة الموارد المائية والكهربائية قبل أربع سنوات وصار رئيساً لمجلس النواب. لكن أحد أقرب رجالاته آنذاك محمد عبد الحميد بيضون كان الوزير عندما ولد بشير، بالتزامن مع استعادة مؤسسات الدولة. ليست حركة أمل غريبة عن وزارة المياه والكهرباء. بري مكث فيها أربع سنوات (بين 1984 و1988). أما بيضون فقد مكث في المرة الأولى لأكثر من عام، ثم عاد إليها عام 2000 ليتربع لثلاث سنوات، خلفه بعدها «أخوه في الحركة» النائب أيوب حميد حتى نهاية عام 2004. بينما كان ابن كفررمان جنيناً، صار معمل الزهراني لتوليد الطاقة الحرارية جزءاً من مراكز نفوذ «أمل». داخل المعمل، حظي الحركيون بالنصيب الأكبر من التوظيفات، لدرجة أن صور بعض مسؤوليه علقت على مدخله. أما خارجه، فالطاقة المستقرة كانت لقصر المصيلح، حتى بعد انقطاع بري شبه الدائم عنه منذ سنوات طويلة.

في مقابل حظوة المصيلح، كان ما عداها يعاني كسائر الأطراف من تقنين قاس في التيار الكهربائي يرتبط بانقطاع المياه بسبب عدم القدرة على ضخها من المحطات والآبار إلى المنازل. مرت 28 عاماً على أبو زيد قضى أكثر من نصفها في العتمة. لكن رفاقاً له لقوا حتفهم على أوتوستراد الزهراني ــــ النبطية بحوادث سير، أحد أسبابها الظلام الدامس وتعطل أعمدة الإنارة، باستثناء المقطع الموازي لقصر المصيلح. وبالتزامن مع تنفيذ اعتصام شعبي عند مستديرة كفررمان يوم الخميس الماضي احتجاجاً على التقنين القاسي، كتب رئيس تحرير جريدة «17 تشرين» على صفحته على "الفايسبوك" منشوراً عن أزمة الكهرباء ذيّله بعبارة «طفّوا إدّام بيت بري وضوّوا بيوت الناس». بعد أقل من نصف ساعة على النشر، تلقى أبو زيد رسائل تتضمن تهديداً بسبب ما كتبه، ما دفعه إلى إعادة نشر العبارة في اليوم التالي مع استعراض التهديدات. ووفق ما روى لـ«الأخبار»، فوجئ عند مغادرته منزله في كفررمان منتصف ليل الجمعة ــــ السبت وتوجّهه نحو منزل صديقه في وسط البلدة، بثلاث سيارات توزعت عند مفارق المنزل. «حاول سائقوها اعتراضه، لكنه تمكن من تجاوزها بسيارته وإكمال طريقه نحو منزل صديقه الذي كان بانتظاره مع عائلته، فيما كانت السيارات الثلاث تطارده. وأمام المنزل، ترجل أبو زيد من سيارته ولحق به عدد من الشبان (بعضهم يحمل العصي) وطلبوا منه بالقوة مرافقتهم إلى إحدى سياراتهم. ولما رفض، اتصلوا بمجموعة من الشبان حضرت على رأس شخص عرّف عن نفسه كمسؤول محلي في حركة أمل». ووفق شريط مسجل وثّق الأصوات من دون الوجوه بسبب الظلام، قال المسؤول لأبو زيد إنه «تحدى التنظيم (قيادة الحركة) ووقف على دوار كفررمان وحمى المعتصمين». أنهى المسؤول حديثه بسبّ أبو زيد الذي رفض الامتثال لأوامره بعدم انتقاد بري، قبل أن يضربه على رأسه ويتبعه الشبان الآخرون بالضرب والركل. تقرير الطبيب الشرعي الذي كشف على أبو زيد في مستشفى النجدة الشعبية في النبطية أشار إلى تعرضه لكدمات في مختلف أنحاء جسده. في اليوم التالي، تقدم بشكوى ضد المعتدين وهم من أبناء بلدته بتهمة محاولة الخطف والقتل. وحتى مساء أمس، «لم يكن المدعى عليهم قد مثلوا أمام فصيلة النبطية بناءً على إشارة النائبة العامة الاستئنافية غادة أبو علوان»، وفق مصدر أمني.
المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني استنكر ما تعرض له أبو زيد المحسوب عليه، من دون أن يكون منتسباً في صفوفه. وأدان الاعتداء «كائناً من كان وراءه من عناصر في القوى الأمنية والميليشيات السلطوية»، مؤكداً وجوب «تسليم المعتدين ومحاكمتهم أمام القضاء العادل، وعلى موقفه الثابت بالتمسك بالحريات العامة وبحق المواطنين بالتعبير عن آرائهم وممارسة دورهم في النقد السياسي».
وبرغم بيان «الشيوعي» الواضح الإدانة للاعتداء، توجهت الأنظار نحو الاجتماع الذي جمع ممثلين عن «أمل» و«الشيوعي» في منطقة النبطية في مقر إقليم الجنوب في الحركة في النبطية الذي أعقب حادثة أبو زيد. وفق مصادر مطلعة، كان الاجتماع الدوري مقرراً مسبقاً للتنسيق في شؤون مشتركة؛ منها الاعتصام المفتوح الذي ينظّمه ناشطون وشيوعيون عند مستديرة كفررمان وما شهده من إشكالات؛ آخرها قطع الطريق على خلفية إشكال فردي. لكن ما أثار الجدل البيان الذي وزعه إقليم «أمل» على وسائل الإعلام، واصفاً ما حصل في كفررمان بأنه «حادث فردي لا طابع سياسياً له، وهو قيد المعالجه والمتابعة من الجهات المختصة». وشدد المجتمعون على احترامهم «لحرية التعبير وإبداء الرأي للجميع تحت سقف القانون وعلى قاعدة أن الخلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية». مصدر مواكب للاجتماع أكد أن ممثلَي «الشيوعي» لم يشاركا في صياغة البيان الذي خطّ بعد مغادرتهما.