خرج، أمس، رئيس الجامعة الأميركية في بيروت فضلو خوري على أهل الجامعة برسالة تهويلية تحذر من خطر وجودي يتهدد الجامعة وتحديات كبيرة تواجهها في ظل الأعباء الذي رتّبها تفشي وباء كورونا والانهيار الاقتصادي في لبنان. قدم خوري أرقاماً لحجم التراجع المتوقع وغير المحقق لإيرادات للجامعة، كأن تكون الميزانية السنوية 609 ملايين دولار وأن تكون الخسارة في العام المقبل 249 مليون دولار أي بنسبة 60%، وأن تلامس خسارة هذا العام 30 مليون دولار، وسط غياب للشفافية أو تقديم لمستندات تثبت صحة الرقم الأخير، ولا سيما خلال النقاشات التي تدور، أخيراً، في أروقة الجامعة ضمن الحلقة الضيقة من عمداء ومديرين إداريين ورؤساء ومسؤولين آخرين. هذه المرة لم يلجأ رئيس الجامعة إلى «التطمينات» السابقة للطلاب بأن «المدفوعات يمكن أن تكون بأي من العملتين الليرة أو الدولار» للإيحاء بأن لا «دولرة للأقساط»، بل كان واضحاً حين لفت إلى «الافتراض المتفائل بأن الليرة اللبنانية ستستقر عند ثلاثة آلاف ليرة للدولار»، ما يعني عملياً «دوبلة» الأقساط، بما يترتّب على ذلك من نزوح من الجامعة إلى جامعات أخرى أقل كلفة.

وكان خوري بدأ رسالته بمقدمة وجدانية تحدث فيها عن اعتماد الجامعة، منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل ثلاثين عاماً، نموذجاً قوياً للنمو، ووضعها بين أفضل 200 جامعة حول العالم، بحسب معايير عديدة، وفي مراتب أعلى بكثير لجهة التأثير وتوظيف المتخرجين والتوظيفات بشكل عام.
رسالة الرئيس اتبعت استراتيجية تقبّل الصدمة حين قال إن «الانهيار الدراماتيكي شبه الكامل للاقتصاد اللبناني، والسقوط غير المقيّد لليرة، وتوقع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، لا تترك مجالاً للشك في شأن التطورات المرتقبة». وأثارت الرسالة بلبلة في صفوف الأساتذة والطلاب والموظفين، على خلفية أنّه لا يمكن بشحطة قلم أن تقر «جامعة عريقة» بتقبل السيناريو الكارثي. وهي مطالبة باجتراح حلول لمعالجة الأزمة «الخارجة عن إرادتها» هذه المرة وتختلف، كما تقول مصادر جامعية، عن المرات السابقة المتعلقة بملفات الفساد وغيرها. ويمكن الجامعة، بحسب المصادر، البحث عن إيرادات من مصادر متنوعة، ومنها جمعية المتخرجين مثلاً.
لم يطمئن خوري أحداً من أسرة الجامعة، ولا سيما الطلاب الذين باتوا متخوفين من ارتفاع غير مسبوق للأقساط ودولرتها، ما قد يهدّد بإفراغ بعض كليات الجامعة، ولاسيما أقسام العلوم الانسانية والاجتماعية والعلوم الزراعية، وهي اختصاصات يمكن للطالب أن يدرسها في جامعات أخرى بنوعية تعليم أفضل وكلفة أقل. وهذا النزوح قد يحوّل الجامعة إلى جامعة تقنية وليست جامعة شاملة، وبالتالي الخشية من انخفاض نوعية التعليم.
وفي تعليق أوّلي على الرسالة، كررت مصادر طلابية الموقف الذي سبق أن أعلنته الحملة ضد دولرة الأقساط، أن الطلاب ليسوا زبائن، مطالبة بتجميد كل الأقساط خلال فترة دراسة الطلاب في الجامعة، مع تدخل وزارة التربية على صعيد كل جامعة على حدة لتحويل عملة القسط من الدولار إلى الليرة وتثبيتها على سعر الصرف الرسمي الحالي (1515 ليرة)، وإبطال أي دولرة للأقساط. ووصفت المصادر خطاب الرئيس بالابتزاز العاطفي والإنذاري لتهدئة الطلاب وقطع الطريق على أي احتجاج طلابي جدي تغييري للنظام التعليمي في لبنان الذي يقوم على القطاع الخاص ويهمّش القطاع الرسمي.

رسالة الرئيس اتبعت استراتيجية تقبّل الصدمة


لا تملك أسرة الجامعة اليوم معلومات كافية عن عمق الأزمة، لعدم إشراكها في النقاشات الأخيرة. وهنا تخشى المصادر أن تتخذ قرارات أحادية الجانب من مجلس أمناء الجامعة. برأيها، ما يحصل هو محاولة لتسويق خطة تقشف وتوزيع الخسائر بين الإدارة والأساتذة والطلاب والموظفين، تماماً كما فعلت الحكومة في خطتها المالية. ووفق المصادر الجامعية، ليس معروفاً من يخسر أكثر، الجامعة أم المستشفى «لأنه ليس بين أيدينا أي منشور يثبت حقيقة ما يجري». وتحت شعار «إنقاذ المؤسسة» والتصدي للأزمة الراهنة، توقع خوري أن تشمل العوامل المؤثرة على إيرادات الجامعة انخفاضاً كبيراً في المنح الدراسية الخارجية القائمة على الدولار، والتي تم الإعلان عنها للجامعة الأميركية في بيروت قبل كورونا، وزيادة متوقعة في المطلوب من المساعدات المالية للطلاب المستمرين في الدراسة، والذين يتلقون بالفعل مساعدة مالية، وانخفاضاً كبيراً في عدد المرضى الذين يدخلون المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت للعلاج، ونسبة ثابتة من فواتير العناية الصحية غير المحصلة من الدولة. وثمة تهديد مبطن بإقفال دوائر والاستغناء عن موظفين وتقليص المساعدات المالية والاجتماعية للطلاب وإلغاء اختصاصات غير مربحة في كليات. هنا تسأل المصادر: «ماذا يعني اختصاصات غير مربحة؟ هل يمكن أن نقفل قسم الجيولوجيا مثلاً في بلد زلزالي لمجرد أنه اختصاص لا يعود بإيرادات على الجامعة؟».
تبدي المصادر الجامعية خشيتها من استثمار الأزمة لتنفيذ أجندات خارجية ومنطق الشركات الخاصة على الجامعة، على غرار ما يحصل في جامعات أخرى في العالم باتت تدار بطريقة نيوليبرالية يحكمها اقتصاد العرض والطلب.
وتكشف المصادر عن الإعداد لخطوات تحمي الطلاب والأساتذة والموظفين، تبدأ بالسعي للتشاور العقلاني مع إدارة الجامعة وإبداء الاستعداد للتعاون في حل الأزمة قبل اللجوء إلى أي تصعيد.