تناقش الحكومة، اليوم، خطّة الطوارئ الزراعية التي أعدّتها وزارة الزراعة لـ«زيادة الإنتاج المحلي لتحقيق الأمن الغذائي وأقصى درجة ممكنة من الاكتفاء الذاتي في هذه الظروف الاستثنائية».

في ما تأتي مجموعة ملاحظات يمكن أن تساهم في انتشال الخطة من كلاسيكية أثبتت فشلها طوال عقود، وتطويرها إلى مشروع أوّلي على طريق زراعة مستدامة تستردّ، فعليّاً، جزءاً من السيادة الغذائية المنقوصة.
عموماً، تمزج الخطّة بين حالة الطوارئ التي يفترض ألا تتجاوز 12 شهراً وبين التنمية، فيما الفرق شاسع بينهما. إلّا أن ما يأتي يحاول اقتراح علاج للخطّة كما هي:
أوّلاً، تركّز المحاور كافةً على «الدعم». والدعم في أيّ خطة زراعية مطلوب حتماً. وهو لا يقاس في ميزان الأرباح والخسائر للدولة، لأن الأمن الغذائي جزء من الأمن القومي. لكن من الواضح أن الدعم في الخطة المقترحة هدف وليس وسيلة في سياق استراتيجية مقترحة. «كخطوة أولية للدراسة وتطبيقها على المدى المتوسط والطويل»، تُشير الخطة إلى «برنامج شراء الدولة لأهم المواد الزراعية لدعم المزارع» بغية ضبط جشع التجار. وهذا يقودنا مما يُسمّى «رأسمالية القطاع الخاص» إلى «رأسمالية الدولة». رأسمالية القطاع الخاص طبعاً يعيبها الجشع والابتزاز، فيما رأسمالية الدولة تعوزها الشفافية وعدالة التوزيع، في بلد يحتاج المواطن فيه إلى «واسطة» لاستصدار إخراج قيد!
ثانياً، تُشير الخطة إلى ضرورة «زيادة المساحات المزروعة وزيادة الإنتاجية للسلع الرئيسية»، لكنها لا تتطرق إلى كيفية المحافظة على الأراضي الزراعية في وجه العمران، ولا تقترح التغييرات اللازمة لمخطط ترتيب الأراضي.
ثالثاً، أغفلت الخطة محوراً أساسياً، وهو إعادة هيكلة وزارة الزراعة والمؤسسات التابعة لها من مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية إلى المشروع الأخضر والإدارة العامة والمديرية العامة للتعاونيات، إذ أن بعض هذه المؤسسات مضى عليها أكثر من 40 عاماً من دون تعديلات في هيكليتها أو توصيف مهامها.
رابعاً، أُغفلت القدرات المائية المتجدّدة والمساحات الزراعية المتاحة أو الممكن استصلاحها، والتي تحدد القدرة الإنتاجية للغذاء، وعلى أساسها تحدد الأولويات الزراعية من نوعية الزراعة (بعلية ومروية، مكثّفة أو غير مكثّفة)، إلى الأصناف.
أمّا في تفصيل المحاور المقترحة، فمن الممكن إيراد عدد من الملاحظات المفصّلة:
أوّلاً، يركّز المحور الأول على الاستمرار في ما يُسمّى «الزراعة المكثّفة» من دون تسميتها بوضوح، من «توفير المدخلات الزراعية» (أسمدة كيماوية وبذور ومبيدات) إلى «زيادة الإنتاجية» إلى «برنامج توفير القروض للمشاريع المنتجة والقابلة للربح السريع». وهذا يُبيّن العقلية التقليدية المستمرة. أمّا الجداول التي تضمنها المحور، فتُشير إلى حجم الاستنزاف لقدراتنا المالية «الدولارية» لاستيراد مستلزمات مصنّفة زراعية، يبلغ مجموعها أكثر من 700 مليون دولار سنوياً. علماً أن الزراعة المكثّفة أثبتت فشلاً عالمياً ذريعاً. فرغم كل الجهود الدولية لتسويق «الزراعات الأحادية» والمشاريع الزراعية الكبرى ذات «الجدوى الاقتصادية»، لا يزال نحو 80% من الإنتاج الغذائي العالمي، يُنتج من قبل صغار المزارعين. عدا عن الأزمات البيئية التي خلقتها الزراعة المكثّفة من تلويث المياه الجوفية بسبب الأسمدة الكيماوية والمبيدات الزراعية المستعملة وتعقيم الأراضي الزراعية وانخفاض مردودها، والاستنزاف المالي الذي يشكله استيراد المستلزمات الزراعية. في الواقع اللبناني، تجتمع السلبيات ويغذّي بعضها بعضاً، وغالبية الدراسات تشير إلى تلوّث في المياه الجوفية وإلى انخفاض خصوبة التربة ومردودية الزراعة إجمالاً. وتضاف اليوم أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار، لتزيد الضغط الهائل على المزارعين.
وهنا، لا بدّ أن تتّخذ الخطة اتجاهاً آخر نحو الزراعة المستدامة، ترتكز على تقليل المدخلات الزراعية وتخفيف التلوّث البيئي والحدّ من ارتباط الإنتاج الزراعي اللبناني بالدولار الأميركي، وخصوصاً أن الأشهر المقبلة ستشهد شحّاً في كل المستوردات وارتفاعاً هائلاً في أسعارها. لا يمكن الاستغناء كلياً عن المدخلات الزراعية، لكن من الواجب استبدال ما يمكن استبداله (بدل رمي روث الحيوانات عشوائياً، يمكن تخميره وإعادة استعماله كسماد عضوي بدل السماد الكيماوي) وتصنيع محلياً ما يمكن تصنيعه، وما تبقّى يمكن استيراده. فالانتقال إلى زراعة مستدامة يحتاج الى جهود ومتابعة، لكنها خطوة جبارة إن حصلت. ويمكن عبرها الانتقال إلى الزراعة الدائمة «Permaculture»، التي لا تحتاج إلا إلى القليل من المدخلات الزراعية المنتجة محلياً.
ثانياً، إن تقديم مساعدات إلى المزارعين والتعاونيات الزراعية يحتّم إعادة النظر في العمل التعاوني بأكمله، والتركيز على نوعين من التعاونيات الزراعية (بعد الفشل الكبير في تجربة التعاونيات): التعاونيات التسويقية التي تلمّ شمل المزارعين والمنتجين وتربطهم، وتعاونيات التصنيع الغذائي التي يمكن أن تشكّل حلّاً للهدر الزراعي ولتصريف الإنتاج في مواسم الذروة.
ثالثاً، بدل استيراد الحبوب والشتول والدرنيات، يمكن للوزارة أن توجّه مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية بالتعاون مع المزارعين، نحو تطوير برنامج إكثار البذار الذي تنفذه حالياً للقمح والشعير، ليضمّ الشتول والدرنيات، ولا سيّما البطاطا، والتشديد على إكثار الأصناف المحلية من البذور والشتول، إن وجدت، لأنها الأجدى زراعياً وبيئياً واقتصادياً على المدى الطويل. ويجب الإكثار، على سبيل المثال، من زراعة القمح «البقاعي» الصنف المحلي المعروف لإنتاج البرغل، والقمح «البياضي»، وهو قمح طري قديم العهد في لبنان يُستعمل لإنتاج الخبز. إضافة إلى أصناف الحبوب الأخرى كالفاصولياء «البادرية» أو «الحمانية» أو «عيشة خانم» وغيرها من أصناف الفواكه والخضار. وهنا من المهم أن ترفع الوزارة شعار «الزراعة بنت بيئتها».
وحول اقتراح زيادة إنتاج القمح الطري وإنتاج الشعير كجزء من المخزون الاستراتيجي (لتعويض النقص وخفض الاستيراد)، فإن السؤال هو: هل إنتاج ألفي طن قمح مؤثر نسبةً إلى الكمية المستوردة منه، وهي 550 ألف طن سنوياً (راجع أرقام الخطة وجداولها) كافية؟ وهل إنتاج 65 طناً من الشعير من أصل 80 ألفاً يُعَدّ خطة لضمان المخزون الاستراتيجي؟ إن وضع تصوّر على مدى 5 سنوات لتأمين هذا المخزون الاستراتيجي يحدد تصاعدياً، الكمية الممكن إنتاجها سنوياً (الأصناف، المنطقة، الاستعمالات) وتنازلياً، الكمية الواجب استيرادها من كل صنف. وهنا أيضاً لا بدّ من السؤال عن دور مكتب الحبوب والشمندر السكري في وزارة الاقتصاد في هذه العملية، خاصةً أنه يملك صلاحيات واسعة في مجال سياسة الحبوب!
رابعاً، بدل أن تدخل الوزارة في دوامة تحديد السعر التوجيهي اليومي للمنتجات الزراعية النباتية والحيوانية (دور وزارة الاقتصاد ومصلحة حماية المستهلك؟)، يمكن أن تقوم بتحديد سعر أدنى توجيهي لهذه السلع، لا يمكن للتاجر أن يدفع أقل منها للمزارع. لكن ذلك يأتي من ضمن روزنامة زراعية واضحة تقدر حاجات السوق وتحدد الكميات المسموح بزراعتها من كل منتج (كوتا إنتاج كما هو حاصل بالحليب مثلاً في فرنسا). بذلك تضمن الوزارة توفّر السلع المطلوبة في الأسواق ضمن القدرة الشرائية للمواطن، وبطريقة تضمن أن لا يبيع المزارع بأسعار أقلّ من كلفة إنتاجه. كما أن من المهم التعاون مع المؤسسة العامة للأسواق التجارية، وهي مؤسسة عامة تابعة لرئاسة مجلس الوزراء من مهامها المساعدة على التسويق الزراعي.
خامساً، في محور الإرشاد الزراعي، تظهر أيضاً عقلية التقليد، بهدف «إقناع المزارعين بالعدول عن الأعراف الزراعية المتوارثة واستبدالها بالتقنيات الزراعية الحديثة من أجل خفض كلفة الإنتاج وتحسين الإنتاجية»، أي تشجّع الخطّة على الزراعة المكثّفة! إن الزراعة المستدامة التي باتت تشكّل عصب الخطط الزراعية، تعتمد في قسم كبير منها على المعاملات الزراعية المتوارثة، لذلك فإن أيّ تحديث يجب أن يضمن منظور الزراعة المستدامة.
سادساً، إن زراعة الأعلاف (المحور الرابع) هي زراعة في غالبية أصنافها شرهة للمياه (ذرة مثلاً، ...) مع بعض الاستثناءات، وتستنزف التربة كما في زراعة الذرة، وتقتطع مساحات كبرى من أمام زراعات أخرى استراتيجية كالقمح والحبوب. فبدل برنامج دعم زراعة الأعلاف، من الأجدى التركيز على برنامج صيانة المراعي في الأراضي الجبلية (الأحراج مثلاً) والأراضي القاحلة (بعلبك ــ الهرمل مثالاً).

من الواجب أن تتّجه الخطة نحو الزراعة المستدامة للحدّ من ارتباط الإنتاج الزراعي اللبناني بالدولار


سابعاً، أغفلت الخطة في برامج دعم مربّي المواشي عدّة نقاط مهمة، منها إعادة هيكلة القطاع عبر تربية العروق المحلية والطلب إلى مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية بالتعاون مع المربين لإكثار العروق المحلية وتأصيلها. كذلك توجيه المربّين نحو طرق التربية غير المكثّفة لأنها أكثر استدامة وأقلّ كلفة مادية وأضراراً بيئية وأكثر مردودية.
ثامناً، لم تُشر الخطة في مجال المياه والريّ إلى أن لبنان لا يملك إلا 900 متر مكعب/شخص/سنة من المياه المتجدّدة، وهو معدّل بعيد جداً عن المعدّل العالمي (8000 متر مكعب/شخص/سنة). وأيّ محور يتعلق بالريّ، من المهم أن يراعي إعادة النظر في التصنيفات لترتيب الأراضي الزراعية من أراض بعلية ومروية والتشدّد في تطبيق هذه التصنيفات، وكذلك الأصناف المراد إنتاجها حسب الخطة واحتياجاتها إلى المياه وفي ترشيد الاستعمال وزيادة المردودية من المتر المكعب من المياه.
تاسعاً، غاب عن الخطة توعية المستهلك على تعديل النمط الغذائي المتبع بما يتلاءم مع المقتضيات الصحية والمنتجات المحلية والتحوّلات الحالية في البلاد، كاستبدال الرز بالبرغل، والبروتينات الحيوانية بالبروتينات النباتية، والإكثار من استعمال زيت الزيتون، وغيرها من الأمور التي من الواجب أن يتمّ التعاون فيها مع وزارة الصحة واختصاصيي التغذية.