100 شرطي فرنسي، تقريباً، بكامل عتادهم العسكري، استُعين بهم قبل أسبوع لحراسة طائرة على متنها... 10 ملايين كمامة مُستوردة من الصين. المشهد، كما نقلته وسائل الإعلام الفرنسية، كان أشبه بعملية لمكافحة خطر أمني كبير. توزع الجنود على ثلاث جبهات: مطار «شالون ڤاتري» - باريس (حيث وصلت الشحنة)، المنطقة المُحيطة به، ومرافقة القوافل إلى المستودعات التي ستتم حراستها من قبل جنود «عملية الصمود»، التسمية التي أُطلقت على «العملية». كلّ «المؤثرات» المُرافقة للحدث تدلّ على مدى أهميته، وضرورة توفير الحماية القصوى له. فتحوّل الكمامات (مع وسائل الوقاية الأخرى) إلى «نجمة» وباء «كورونا»، وارتفاع الطلب عليها بشكل هستيري، دفع إلى تعديل أولويات قوات الأمن في الدول، ولا سيّما بعد أن شهدت البلدان سرقات محلية عديدة للكمامات من المستشفيات والصيدليات والمستوصفات، إضافة إلى انطلاق سباق دولي حول من يُسيطر على «هذا الذهب»، كما وصفت صحيفة «أُويِست فرانس» الكمامات. التركيز الأكبر في هذا الإطار هو على دور الولايات المتحدة في «سرقة» شحنات كانت متوجهة من الصين إلى كلّ من فرنسا وألمانيا والبرازيل، وضغطها على شركة «3 أم» لتتوقف عن تصدير الأقنعة وآلات التنفس لكندا ودول أميركا اللاتينية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبّر عن تحوّل بلاده إلى «عصابة قطّاع طرق» حين قال في مؤتمر صحافي قبل يومين: «لا نريد لدول أخرى أن تحصل على ما نحتاج إليه من أقنعة، ولكم أن تُسموا ما سيحصل بالانتقام إن لم نأخذ ما نريد». ولكنّ واشنطن ليست اللاعب الوحيد في هذه «الحلبة غي الإنسانية»: شركة سويدية اتهمت فرنسا بمُصادرة شحنة آتية من الصين لصالح إيطاليا وإسبانيا، وسلوفاكيا كشفت أنّ ألمانيا دفعت سعراً أعلى لشراء كمامات من الصين بعد أن كانت سلوفاكيا قد أتمّت الصفقة... وعلى هذا المنوال، باتت الحرب الكونية الجديدة هي حرب الكمامات.

بالأساس، كانت الصين قد افتتحت السباق إلى التسلّح بالكمامات، حين حاولت الاستحواذ على المخزون الكبير منها لتلبية الطلب، بعد أن انتشر الوباء داخلها. لم يكن الأمر بارزاً في الدول الأميركية والأوروبية، لأنّ السلطات فيها حاولت التقليل من ضرورة ارتداء الكمامة، وحصرها بالطواقم الطبية والصحية والمرضى. تبدّلت الحسابات بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة الماضي، السماح بارتداء الكمامات للجميع «كأحد الإجراءات الوقائية». التهافت على الشراء، أو السرقة، سبق بيان المنظمة الدولية. في محال بقالة وسمانة فرنسية، وُجدت كمامات مسروقة تُباع الواحدة منها بأكثر من 6 يورو (قرابة 6 دولارات ونصف دولار)، فضلاً عن تقديم شكوى بسرقة 4000 قناع تقريباً من نوع «FFP2» من داخل مستشفيات باريسية. أما في «غويان» (أحد أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وتقع على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية)، فأكّد النائب العام فيها سرقة 40 ألف كمامة من مدينة كايين، كان من المقرّر تسليمها إلى وكالة الصحة الإقليمية.

استولت فرنسا على 4 ملايين كمامة في ليون تابعة لشركة «مولنليك» السويدية


تنقسم «الحاجة» إلى تخزين الكمامات بين نوعين: الأول يُريد التجارة بها في السوق السوداء، والثاني هلع من المرض وخوف من انقطاعها. أما الدول، فلا ترى حلّاً آخر لمشكلة قطاعاتها الصحية وحاجاتها سوى باستيلاء بعضها على حصص بعض.
قبل أن تصل الشحنة الصينية إلى فرنسا، الأسبوع الماضي، شكا مسؤولون فرنسيون من أنّ مجموعة أميركية «تعمل لصالح الحكومة الأميركية»، قدّمت سعراً أعلى بثلاث مرّات مما كان سيدفعه الفرنسيون «للسيطرة على شحنة من الأقنعة كانت ستُرسل من شنغهاي إلى باريس». وفي السياق نفسه، كشفت السلطات الألمانية أنّ واشنطن استولت على «200 ألف قناع» كانت في طريقها من الصين إلى برلين، وفقاً لصحيفة «غارديان». وجهة الشحنة تغيّرت في أحد مطارات تايلاند، ووصف وزير داخلية ولاية برلين، أندرياس غيزيل، ما حصل بأنّه «وجه من أوجه القرصنة الحديثة... هذه ليست طريقة للتعامل مع الشركاء في حلف شمال الأطلسي. التصرف الأميركي متوحش». البرازيل، حليفة الإدارة الأميركية، نالت أيضاً نصيبها. فأعلن وزير الصحة، لويز هنريك مانديتا، فشل محاولات إقليم برازيليا لشراء القفازات والكمامات من الصين، فقد «أرسلت الولايات المتحدة أكبر طائرات الشحن الخاصة بها إلى الصين، لنقل المواد».
الازدواجية لدى الأميركيين تتجلّى في إعلانهم تخصيص 274 مليون دولار للمُساعدة العالمية في مواجهة «كورونا»، وفي الوقت نفسه سحب آلات التنفس من أفواه المرضى. فقد فرضت إدارة ترامب على شركة «3 أم» المُصنّعة للأقنعة وأجهزة التنفس، وأكبر الموّردين إلى كندا وأميركا اللاتينية، التوقف عن التصدير. واستندت الى «قانون الانتاج الدفاعي» لحثّ الشركة الأميركية على زيادة إنتاجها المحلي. وقال ترامب إنّه استخدم القانون المذكور «لضرب 3 أم بقوّة»، بعدما أعلنت عدم التزامها بقرار البيت الأبيض التوقّف عن التصدير «لأنّه ستكون لذلك تداعيات إنسانية جسيمة، ويُمكن أن تقوم دول أخرى بذلك». ردّ رئيس الوزراء الكندي على القرار الأميركي أتى «مُسالماً» إلى حدّ بعيد، فأعلن عدم اتخاذ «إجراءات انتقامية أو عقابية ضد الولايات المتحدة، بعد أن أعلنت منع تصدير أقنعة واقية N95. سأتحدّث إلى ترامب في الأيام المقبلة».
لا شكّ في أنّ تصرّفات الولايات المتحدة «فظيعة»، رغم أنّها غير بعيدة عن «طبيعتها»، ولكنّها ليست «استثناءً». في آذار، كشفت أسبوعية «ليكسبريس» الفرنسية عن احتجاز شحنة من 4 ملايين كمامة في مدينة ليون تابعة لشركة «مولنليك» السويدية. على الأثر، اتهمت استوكهولم فرنسا بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية المُستوردة من الصين لصالح إيطاليا وإسبانيا. ثمّ أعلنت حكومة السويد عن «خيبة أمل من باريس». وقالت وزيرة التجارة الخارجية السويدية: «قد نلجأ إلى إجراءات أقسى، لأنّ ما قامت به فرنسا يُخالف قواعد السوق الأوروبية».
وفي سلوفاكيا، شارك رئيس الوزراء بيتر بيليغريني «الدرس» الذي تعلّمه من وباء «كورونا»، وهو أنّه حين يتعلّق الأمر «بشراء شحنات الكمامات، فإنّ النقد هو السيّد». علّمه الوباء ذلك بعد أن جهّزت حكومته 1.2 مليون يورو لشراء شحنة كمامات من مصنع صيني، وأرسلت طائرة حكومية لنقلها، قبل أن تُفاجأ بتاجرٍ ألماني «سبقها» إلى الصين ونال «الذهب» بعد أن دفع مبلغاً أكبر.
تغيّر الكوكب بعد دخول «كورونا» إليه. وعاد البشر إلى «داخلهم»، يُعيدون حساباتهم بحثاً عن حيواتهم «ما بعد» هذه المرحلة الصعبة... إلا النموذج الهمجي للدول «المُتحضرة» التي تعيش في «فقّاعة حرب» دائمة. تخلق الأوبئة - على أنواعها - ثمّ تتصارع لمحاربتها، مُتبنية منطق «القومية»، المنغلقة على نفسها.
كتب فيليب غوردن في مجلّة «فورين أفيرز» أنّ ترامب يُصرّ على أنّه رئيس الولايات المتحدة فقط، وغير معني ببقية الدول، «مُتجاهلاً أنّ الفشل في هزيمة الوباء خارج الولايات المتحدة، سيُقوّض قدرتنا على السيطرة عليه». كلامه، الموجّه إلى الولايات المتحدة، ينطبق على معظم الدول النيوليبرالية، التي قدّمت نموذجاً سيئاً جدّاً في مواجهة «كورونا»، مُتناسيةً كلّ محاضراتها عن «حقوق الإنسان» و«التضامن البشري» و«العولمة»، وغيرها من المصطلحات الفارغة من مضمون حسّي. ويُضيف غوردن أنّ «التركيز بشكل ضيّق على مكافحة الفيروس داخل المنزل، مع السماح بانتشاره في الخارج، يُشبه من يريد إخماد الحريق في بيته وقد اندلعت النيران في الحيّ بأكمله».



الصين تزيد إنتاجها
يُفهم سباق الولايات المتحدة للسيطرة على الكمامات في العالم، بعد أن كشف الصناعيون الأميركيون أنّ إنتاجهم المحلي سيستغرق شهوراً «قبل تلبية الطلب على الأقنعة العالية الجودة». في المقابل، شكّلت هذه التجارة مكسباً للسوق الصيني الذي عزّز إنتاج أقنعة الوجه بأكثر من خمسة أضعاف في غضون شهر واحد، وسط اشتداد المخاوف العالمية من تفشّي الوباء. فقد بلغ الإنتاج في نهاية شباط 110 ملايين كمامة، مقابل 20 مليوناً بداية الشهر نفسه. يُشير ذلك، بحسب التقديرات، إلى أنّ الصين ستُنتج «10 أضعاف الكمية التي أنتجتها في 2019».
وقالت المسؤولة في دوائر الجمارك، جين هاي، إنّه منذ بداية آذار، صدّرت الصين إلى أكثر من 50 بلداً 3,86 مليارات قناع و37,5 مليون بزة واقية و16 ألف جهاز تنفس و2,84 مليون جهاز لكشف الإصابات بـ«كورونا». وقُدّرت قيمة هذه الصادرات بـ10,2 مليار يوان (ما يُقارب 1,33 مليار يورو).